03‏/03‏/2013

قوانين النهضة / جاسم سلطان / القانون الثاني





القانون الثاني
المكنة النفسية
(القوة الدافعة)

منطوق القانون
"لا تغيير إلا إذا حدث تغيير إيجابي في عالم المشاعر"
مفردات القانون
التغيير: عملية التغيير هي انتقال وضع ما من حال إلى حال آخر. وهذا الانتقال يستلزم ثلاثة أمور:
أولاً: أن نحدد بشكل علمي ماهية الحالة التي ننطلق منها.
ثانياً: أن نحدد ماهية الحالة المطلوب بلوغها أو الوصول إليها.
ثالثاً: يستلزم بعد ذلك قياس الحالة التي نتجت عن تدخلات قادة وطلاب النهضة لمعالجة الواقع.
تغيير إيجابي في عالم المشاعر: من السلبية والإحساس باليأس إلى التفاؤل والإنجاز والشعور المتجدد بالحياة.
أهمية القانون
يوجد فرق بين تمني شئ ما والاستعداد لتحقيقه. ولا يمكن لشخص أن يكون مستعداً لأمر ما حتى يؤمن أنه يمكنه الحصول عليه. وهذا القانون يحقق البعث النفسي للأمة، والذي يحول بدوره - الأفكار إلى ما يماثلها مادياً. فتتحول النهضة من فكرة إلى حقيقة ملموسة.
شروط البعث النفسي
لقد لخص البنا أهم مظاهر الحالة النفسية للأمة في رسالة )دعوتنا( بقوله: "يأس قاتل، وخمول مميت، وجبن فاضح، وذلة حقيرة، وخنوثة فاشية، وشح وأنانية". وهذه الحالة النفسية لا يمكن أن تُحدث تغييراً أو تحولاً في الأمة – اللهم إلا التغييرات والتحولات السلبية. فإذا كانت الخطوة الأولى التي يجب أن يخطوها قادة وطلاب النهضة هي تحديد الفكرة المركزية والفكرة المحفزة، فإن الخطوة الثانية تكمن في البعث النفسي لهذه الأمة، وفي إحداث تغيير إيجابي في عالم مشاعرها. وهذا البعث النفسي - أو القوة الدافعة أو المكنة النفسية - له ثلاثة شروط أساسية ليُحوِّل الفكرة المركزية إلى حركة وواقع:
الإيمان بالفكرة
ونقصد بها القناعة العقلية والقلبية بالفكرة ونجاحها.
إيماناً يحول دون التشكك فيها والانحراف عنها.
إيماناً يولد في النفس شعوراً بصوابها وقدرتها على مواجهة الواقع ومواجهة الاحتياجات.
أن تتحول فينا الفكرة المركزية إلى فكرة مرجعية، يقاس بها الصواب والخطأ.
فالإيمان بالفكرة يجب أن يتشعب في نفوس المجتمعات وأن يعزز. وكذلك الإيمان بقدرة هذه المجتمعات وبصلاحيتها وبأحقيتها في تبوء مركزها بين الأمم.
العزة
الشعور بسمو الفكرة عما سواها من الأفكار.
أن ينتشر الاعتزاز بالإسلام، ومظاهره، وأشكاله، ومبادئه، ومفاهيمه. ويجب أن يسود الاعتزاز بجوهر الإسلام قبل مظاهره الخارجية. فالمظاهر الخارجية هي دليل على قوة الالتزام بجوهر الإسلام، فالتميز في أنماط الحياة - فيما نحب وما نكره، وفي أعيادنا وأشكالنا واحتفالاتنا وملابسنا - يدل على شدة الاعتزاز بفكرتنا وما تدعو له. وقد جاء القرآن ليكرم الأمة ويبعث فيها العزة. يقول الله تعالى:{كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}
الأمل
وهو النافذة الكبيرة التي نفتحها للناس، ليروا أن المستقبل سيكون زاهراً، وأن نهضة أمتنا ستتحقق بإذن الله، ومصداقية هذا الأمر أن تحتشد الأمة في حركة وعمل ومشاريع.
وقد أكد الله في مواضع كثيرة على أن الغلبة لأوليائه والنصرة لهم ليبعث في الأمة الأمل واليقين بتحقق النصر. يقول تعالى:
{وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون}
عملية البعث النفسي
مظــــاهر الإيمان بالفكرة: هو جعلها – أي الفكرة - مقياساً، والحكم بالصواب أو الخطأ على أساسها.
مظاهر العزة:تكمن في تغير أنماط الحياة تبعاً للفكرة وتغليبها على ما سواها، سواء في اللغة والملبس والمشرب وأنماط السلوك.. والشعور بتميز الذات حاملة الفكرة وبقدرتها على التنفيذ (الثقة).
مظاهر الأمل:ظهور الروح الإيجابية والإقبال على العمل.
كيف قام الغرب بزرع المكنة النفسية؟
عندما أدرك قادة الغرب أهمية البعث النفسي لمجتمعاتهم، قاموا بزراعة المكنة النفسية على مسارين:                                       
الأول: إعادة قراءة التاريخ وعرضه
حيث قاموا بتقزيم دور الحضارات المشرقية، والمرور عليها مروراً سريعاً – رغم أن الحضارة الإسلامية وحدها امتدت عشرة قرون كان الغرب حينها في حالة تخلف شديدة – بحيث يخيل للطالب الأوروبي أن الغرب هو منبع الحضارة طيلة العصور
الثاني: عمل تراكم في الإنجازات العملية
أسبانيا تطرد المسلمين من الأندلس فترتفع الروح المعنوية للغـرب 1492م.
اكتشاف الأمريكتين (مدن الذهب) الذي دفع كل الطموحين للذهاب إلى هناك.
اكتشاف رأس الرجاء الصالح (طريق الحرير الجديد)
حركة الترجمة التي أعقبت الحروب الصليبية والاتصال بعلوم المسلمين.
التحولات العلمية والمخترعات الكبرى مثل اختراع آلة النسيج 1768م، والبخار 1769م، حتى اختراع الكهرباء 1879م.
كيف قام الرسول rبعملية البعث النفسي في مكة؟
سار الرسول rعلى نفس المسارين في عملية البعث النفسي للأمة العربية:
إعادة عرض التاريخ: وقد تم ذلك على محورين:
الأول: من خلال عرض مسار الأنبياء من لدن آدم وحتى مبعثه r، وعرض أمجادهم وانتصاراتهم، ثم الإشارة إلى الخط المتصل بين هذا المسار – مسار الأنبياء – وبين الذين اتبعوه، وأنهم لا شك منتصرون كما انتصر أسلافهم. فجعل خطاً رابطاً متصلاً من لدن آدم وحتى صحابته وأتباعه. وقد تم كل هذا العرض من خلال القرآن الكريم والأحاديث الشريفة.
والثاني: من خلال سحب الشرعية عن أهل الكتاب والمشركين وبيان الأسباب.
عمل تراكم في الإنجازات العملية: وقد تم ذلك من خلال عدة أشكال:
إعادة تعريف الهزيمة والنصر: ففي قصة أصحاب الأخدود مثلاً تم الإعلان عن انتصار المؤمنين رغم القضاء عليهم. وهكذا انقلبت موازين النصر والهزيمة. فأصبح بعض ما تراه العين هزيمة يعتبره المسلمون نصراً، وبعض ما يُرى نصراً يعتبره الإسلام هزيمة.
تقديم إنجازات تبشر الناس بغد أفضل: مثل إرسال الناس إلى الحبشة لينجو بهم من التضييق، وليكون نواة انطلاق جديدة، كذلك دعاء الله أن يعز الإسلام بأحد العمرين، فكان إسلام عمر نقلة نوعية، وكذلك إسلام حمزة. ثم كانت محاولات القائد المتتابعة لعرض الإسلام على القبائل وطلب النصرة دافعاً للأتباع الذين يرون أن قيادتهم لم تستسلم  للأعداء- حتى ولو لم تكلل هذه المحاولات بالنجاح.
تقديم إنجازات من خلال تصعيد الخطاب:  فالكلام في زمن الصمت يعد فعلاً قوياً يحفز الجماهير. لذلك كان القرآن يتنزل في مكة – رغم التضييق – ليحشد الرأي العام المرتقب بخطاب قوي واضح.
فكان إعلام قوي ضد أئمة الجاهلية {تبت يدا أبي لهب وتب. ما أغنى عنه ماله وما كسب. سيصلى ناراً ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد} كذلك خاطب الوليد بن المغيرة خطاباً قوياً: {سنسمه على الخرطوم} وقال: {ذرني ومن خلقت وحيداً. وجعلت له مالاً ممدوداً. وبنين شهوداً. ومهدت له تمهيداً. ثم يطمع أن أزيد. كلا إنه كان لآياتنا عنيداً. سأرهقه صعوداً}
إن هذا الخطاب الواضح – في عهد الاستضعاف – رغم أنه لا يتعدى أن يكون قولاً؛ إلا أنه يتحول عند الرأي العام إلى فعل وأي فعل. فالكلام في زمن السكون فعل، حيث أن قليلين هم الذين يتحدثون
3- عمل تراكم في الإنجازات العملية:
ونحب هنا أن نؤكد على أمر ثالث: وهو أن التراكم في الإنجازات العملية وحده لا يكفي، بل لابد من حسن عرض هذه الإنجازات على المجتمع لتتولد عنده القوة الدافعة. فالفعل الإيجابي المؤثر وحده لا يكفي؛ بل لابد أن تتبعه آلة دعائية إعلامية تعلن عن الإنجازات وعن آثارها الإيجابية بشكل مؤثر. وسنشير لاحقاً إلى آليات البعث النفسي.
وإذا نظرنا إلى شروط البعث النفسي الثلاثة (الإيمان والعزة والأمل)ومعايير تحقيقها علىأرض الواقع، سنجدالإسلام قد غير الروح المعنوية للأمة في مواجهة الآخرين ببعث المشاعر الثلاثة من خلال:
الإيمان برسالة الأمة.
والاعتزاز باعتناقها والانتماء للأمة.
ثم الأمل في تأييد الله لها.
كما سنجد اليابانيين عملوا على بعث شعورهم في عصرنا الحديث من خلال:
الإيمان بقدراتهم.
والاعتزاز بشعبهم.
ثم الأمل في أن يصبحوا القوة الأولى.
وكذلك الألمان في عصرنا عملوا لبعث شعورهم على نفس المحاور:
الإيمان بقدرتهم على النصر.
الاعتزاز بتفوق العرق الآري.
الأمل في أن يصبحوا إمبراطورية عظمى.
ولننظر كذلك إلى بعث شعور اليهود بقوميتهم وعلى نفس المحاور كجزء من المشروع الصهيوني. ولننظر إلى المكنة النفسية الأمريكية اليوم وما تحاول أن تفعله.
ولكن هل تتم عملية البعث النفسي بهذه السهولة أم أنها تجد من الصعوبات ما يجعل تحقيقها من أشق خطوات الفعل النهضوي؟؟!!
الحرب النفسية
إن ساحة الفعل النهضوي مليئة بالصراعات والمتناقضات. ففيها الصديق والمتحالف والمحايد والخصم. وبنفس القدر الذي نحاول به بعث المكنة النفسية في مجتمعاتنا يستخدم الخصمالحرب النفسية لتحطيم هذه المشاعر الثلاث: (الإيمان والعزة والأمل).
يقول أحمد نوفل في كتابه "الإشاعة": "..الحرب النفسية هي الاستخدام المحقق للدعاية  أو ما ينتمي إليها من الإجراءات الموجهة للدول المعادية أو المحايدة أو الصديقة، بهدف التأثير على عواطف وأفكار وسلوك شعوب هذه الدول بما يحقق للدولة المواجهة أهدافها.."
إذن هناك طرف معادٍ يقوم بالدعاية بأسلوب مخطط، في محاولة غزو نفسية المجتمعات العربية والإسلامية. ويحقق أهدافه من خلال هذا التلاعب بالأفكار والعواطف عند الآخرين. ويقول المؤلف في موضع آخر: ".. ولقد آتت هذه الحرب أكلها، ووصلت إلى نتائجها، لأول مرة في تاريخ المسلمين، هزيمةً روحيةً وشعوراً بالتفوق المنهجي الغربي ويقول تشرشل: "كثيراً ما غيرت الحرب النفسية وجه التاريخ.
إن الحرب النفسية حقيقة واقعة على مجتمعاتنا من قبل أعدائنا. وهي حرب لديها برامجها وفكرتها المركزية وفكرتها المحفزة. وهي حين تغزو المجتمعات، فهي تعتقد أنها هشة، وأنها قادرة على امتصاصها، والتلاعب بها، وتُستخدم في توجيه هذه المجتمعات، بحيث تنساق وراء مطالب الدول المهيمنة.
ويقول محمد صفا في كتاب"الحرب": ".. المحاربةالنفسية تتجه بكل ثقلها للضغط على الأعصاب، فتلقي في روع السامع شعوراً بعقم المقاومة وحتمية الهزيمة.."
وهكذا سنجد أن الحرب النفسية تتميز بالقدرة على تدمير الإرادة الفردية وإحداث التدمير الاجتماعي. "..وترتبط الحرب النفسية ارتباطاً وثيقاً بظاهرة الرأي العام وشروط تكونه والثبات عليه أو تغييره. وهي تلعب الدور الرئيس والمميز في تكوين هذه الشروط. وهنا يتدخل علم نفس الجماهير كلاعب أساسي على مسرح الحرب النفسية.."
ما هي المواضيع الرئيسة للحرب النفسية؟
لقد حفل التاريخ القديم والحديث بنماذج متعددة من الحرب النفسية، والتي شملت المواضيع التالية:
دس الذعر.
شتم العدو وتحقيره.
دس الشائعات ونصب الفخاخ.
تضخيم قوة الصديق والمبالغة في حجمها.
إثارة البلبلة والتوتر والفضائح.
الحيلة والإيحاء.
الترغيب والترهيب والتضليل ورسم الآمال الخيالية.
استغلال الانشقاقات الدينية والعقائدية أو خلقها.
التهديد بالسلاح المتفوق.
عقيدة العدو افتراءً غير محق.
إلى ما هنالك من مواضيع أخرى.
كيف تتلقى الجموع هذه الحرب النفسية؟
وحتى نعلم كيف تتلقى المجتمعات هذه الحرب النفسية الموجهة يجب أن نشير إلى أقسام الرأي العام في فترات السكون ثم في مراحل الأزمات.
أولاً: في فترات السكون والدعة:
سنجد أن المجتمعات تنقسم إلى ثلاثة أقسام كبيرة:



عقل قائد: وهم صفوة المجتمع من القادة والمفكرين والعلماء والساسة، وهؤلاء نسبتهم ضئيلة في المجتمع، وهم يصنعون الدعاية ولا يتأثرون بها.
عقل مثقف: وهم المتعلمون والمثقفون الذين يشاركون في صناعة الرأي العام والتأثير على من دونهم من حيث الثقافة.
عقل العوام: وهو يمثل الرأي العام الشعبي. وهو ما يمكن أن يطلق عليه (رأي أنثوي)، أي يهتم بالعواطف وينساق وراءها، ولا يُحَكِّم العقل.
ثانياً: في فترات الأزمات:
وسنلحظ هنا ظاهرة عجيبة. وهي اختفاء الشريحة الثانية في أوقات الأزمات. حيث يتحول العقل المثقف إلى عامي وبالتالي ينضم المثقف إلى الرأي العام العامي. وبذلك نجد أمامنا شريحتين: عقل القائد وعقل العامي.
ولهذا السبب تتجه القيادات السياسية دائماً إلى مخاطبة الرأي العام العامي وليس المثقف في أوقات الأزمات. فنجد الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش مثلاً يتحدث عن الخير والشر، وعن الأخيار والأشرار عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام ألفين وواحد.
ونحب أن نؤكد هنا أن الجهل بنفسية الجماهير وكيفية تقبلها للأفكار يحول دون إمكانية حشدها وبعثها نفسياً. ومن المبادئ  التي يجب الاهتمام بها عند التعامل مع الجمهور
الجمهور لا يقبل الأفكار المركبة وإنما يهتم بالشعارات والرموز والصور.
الجمهور بحاجة إلى قائد يجسد الفكرة ويرى فيه الأمل.
لا يظل الرأي مستثاراً لفترة طويلة إلا إذا شعر الناس بأن صالحهم الخاص يتصل بهذا الرأي اتصالاً قوياً.
الجمهور – كقاعدة عامة – يعترض على مواقف لا على مباديء، ومن ثم قد تحدث تغيرات فجائية في الرأي إذا تعدل الموقف.
دخول قوة شخصية جديدة تمثل بوضوح مسألة من المسائل، قد يحدث تغييراً مفاجئاً في الرأي. أما الأسباب والبراهين فقلما كان لها سيطرة ثابتة على عقول معظم الناس.
يصاب الرأي العام بحالة من الإثارة في حالة إذكاء الروح العسكرية والتبشير بالنصر.
يتأثر الرأي العام ويتقرر بالأحداث أكثر من تأثره بالكلمات.



نماذج للحرب النفسية
نموذج فيتنام وأمريكا
إذا نظرنا إلى التجربة الأمريكية في فيتنام سنجددولة عملاقة متفوقةحجماً وموارداً وعلماً وتقنية وقدرة تدميرية،تتجه إلى شعب فقير أعزلتريد أن تحاصره، وأن تسيطر وتهيمن عليه.فتنطلق في حرب مدمرة ضده، وتجتذب إليها نصف الشعب ليقف معها، وحكومة عميلة تمارس دور العراب، أو حصان طروادة ،لكسر هذا الشعب الفيتنامي، وتقاوم حركة المقاومة.
وإذا أمعنا النظر في هذا النموذج سنجد أن الولايات المتحدة الأمريكية المتفوقة تستخدم كل الأسلحة الممنوعة في تلكاللحظة التاريخية ضد حركة المقاومة الفيتنامية. ومن الناحية العملية لا يمكن للثوار ككتلة أن يصمدوا أمام هذه الآلة العسكرية. ولكن يبقى أمام المستضعفين استراتيجية واحدة: وهي إطالة أمد الحرب، وزيادة تكاليف بقاء الخصم. فاستخدموا أسلوب حرب العصابات، وحروب الكر والفر، وحرب الغارات، والهجوم المضاد، بمجموعات صغيرة. وقد كان بإمكان العملاق الأمريكي الضخم أن يدهس أي قوة تواجهه - وإن كانت كتلة كبيرة - ولكن عندما تكون الهجمات من مجموعة منالبراغيث التي تلسع فتدمي ثم تفر؛ تحدث عملية الاستنزاف لهذا الفيل الضخم، عبر هذه البراغيث الكثيرة. وهكذا استمرت عملية ليْ الذراع أو العض المتبادل. وكانت الحرب حرب إرادات.وجهت فيها الولايات المتحدة الأمريكية كل آلاتها الإعلامية والدعائية، وكل إجراءاتها لإقناع الطرف الآخر- وهم الفيتناميون- باستحالة تحقيق أهدافهم وحتمية هزيمتهم.



ثم ماذا كانت النتيجة؟! انتصر الطرف الأضعف على الطرف الأقوى؛ لم يعد الفيل قادراً على الصمود، وأصبحت تكلفة البقاء أكبر بكثير، من الفائدة من البقاء، وانتصرت الإرادة، ولم تنكسر نفسية الفيتناميين.
من أين جاءت هذه النتائج التي قلبت المعادلة؟! إذا اتفقنا على أن الولايات المتحدة حاربت الفيتناميين بنسبة عشرين في المائة للحرب النفسية، وثمانين في المائة لحرب الآلة، فقد استطاعت المقاومة الفيتنامية قلب المعادلة بحيث أصبحت الثمانون في المائة حرباً نفسية والعشرون حرب آلة؛ لأنه إذا ما تم كسر إرادة الخصم، لم يعد هناك حاجة إلى استخدام الأدوات، فالأدوات فقط من أجل إقناع الطرف الآخر بعدم جدوى المحاولة بحيث يقع في روعه - كما يقول محمد صفا - الشعور بعقم المقاومة، وحتمية الهزيمة.
هذا النوع من الأداء، أعطى مؤشراً واتجاهاً آخر للحروب؛ فأصبحت الحروب اليوم تتجه في كتلتها الأساسية إلى المحاربة النفسية. إذ تلقي في روع الخصم عدم جدوى المقاومة، وأن الحرب لا محالة منتهية لصالح عدوه، وبالتالي عليه الاستسلام.
الحالة الإسرائيلية مع الحالة العربية
إذا نظرنا إلى الحالة الإسرائيلية مع الحالة العربية، سنجد أن هذا الكيان الصغير يؤثر على مجموعة كبيرة جداً من الدول، ويقودها إلى الاستسلام!! وهذا ما لم يكن ممكناً لولا استخدام فن المحاربة النفسية بكثافة شديدة وعنيفة، ما أدى إلى انكسار إرادة قادة أغلب هذه الدول أمام تلك الأوضاع.



آليات البعث النفسي ومواجهة الحرب النفسية
وإذا كانت الحرب النفسية تريد أن تقنعنا كأمم وشعوب بعقم المقاومة، وحتمية الهزيمة، فالمطلوب مناأن نواجه المعركة الضخمة من الحرب النفسية - التي مجالها العقول والنفوس، والتي تستخدم فيها الكلمات والعبارات والإجراءات- بحرب نفسية مضادة، أو بعملية إنقاذ نفسية، إن صح التعبير.
وفي آليات البعث النفسي: فإن واجب الإعلام اليوم هو الاهتمام بأدوات التعليم. وواجب قادة الدول الإسلامية وحكوماتها هو إعادة صياغة الخطاب الجماهيري. وإعادة صياغة التعليم، وكل أشكال التوجيه؛ لإيجاد كتلة حرجة مؤمنة بإمكانية النجاح، ومحصنة ضد عوامل اليأس. وهذا يحتاج إلى تعاون بين المفكرين وبين قادة هذه المجتمعات وحكوماتها، وبين قادة الرأي وبين العاملين في الإعلام، والتعليم؛ حتى تصبح نظرية الحرب النفسية مفهومة، وتصبح جزءاً من تكوين الفرد المسلم العربي في مجتمعاتنا. لابد من فهم مؤكد لقضية المحاربة النفسية، وأثرها في التأثير على المجتمعات.
إذن لابد من باعث نفسي داخلي كبير، ليتم تغيير الواقع الخارجي.فانتصارالطرف الآخر علينا  - داخلياً في أفكارنا ونفوسنا - يعني عملياً انتصارهعلينا في واقعنا.أما انتصارنا على أنفسنا في الداخل، فيعني إمكانية تحقيق النتائج في الخارج.
وخلاصة القول أنه لا نجاحللفكرة المركزية إذا لم ينجح البعث النفس. والبعث النفسي يبدأ من الفرد والمجموعة المؤمنة بمشروع النهضة وينتهي بالأمة معقد الآمال.
ونجاح هذا البعث النفسي يتطلب:
أولاً: إعادة عرض الفكرة المركزية وتاريخها.
ثانياً: عمل تراكم في الإنجازات العملية.
ثالثاً: توظيف إنجازات الآخرين لصالح المشروع.
رابعاً: حسن عرض الإنجازات.
فإعادة عرض التاريخ واختيار المواطن التي تغرس العزة والأمل أمر في غاية الأهمية. كما أن الإنجازات الفعلية أمر لابد منه. خاصة في مجتمعاتنا التي أرهقتها التحديات. يقول دووب:  "يظل الرأي العام كامناً إلى أن ينشأ موضوع يشغل اهتمام الناس – والموضوع الذي يشغل اهتمام الناس لا ينشأ إلا عندما يكون هناك صراع وقلق وإحباط".
ومن هنا نفهم خطورة المقاومتين الفلسطينية والعراقية على المشروع الغربي. فالمجتمعات والشعوب العربية والإسلامية تدرك تماماً أن هاتين المقاومتين تُحارَبان من قِبَل الجيوش المحتلة، ومن قِبَل أجهزة استخبارات تلك الدول. ومع ذلك لا تزال تلك المقاومة تصر على الفعل المُقاوِم، بل وتحرز الكثير من الإنجازات والمكاسب. فهي بذلك تُجرئ الشعوب العربية والإسلامية على الفعل المقاوم، وتبعث فيهم المكنة النفسية والقوة الدافعة من خلال تراكم الإنجازات العملية على أرض الواقع. ومن هنا تأتي الخطورة الحقيقية للمقاومة على مشاريع الاحتلال. فهي تَجْرِييء للشعوب على المقاومة، ليُفاجأ المحتلون بأنهم لا يحاربون مجموعة أو مجموعتين من المقاومين؛ بل يحاربون الشعوب كلها، وهو ما يهدد مشاريع الاحتلال في صميمها.
أما قضية استثمار إنجازات الآخرين التي تصب في صالح المشروع فلا يزال التخندق – الذي يخيم على بعض العاملين في النهضة- حائلاً دون ذلك.  فبعض التيارات لا تعرض سوى إنجازاتها، ولا تعرض إنجازات غيرها ممن قد يخالفها في المدرسة الفقهية أو في مجالات العمل. وهم بذلك يضيقون واسعاً، ويظنون أنهم – وحدهم – ممثلو الأمة، بل وبعضهم يزيد على ذلك فينقد أي إنجاز لتيار آخر، ويخرجه من دائرة الإنجازات.
إن هذه العقلية الطفولية التي لا تنظر لصالح الإسلام ومشروعه هي عقبة كئود في طريق النهضـة، وهذه النظـرة أرهقتنـا كثيراً في مرحلـة الصحـوة ونتج عنها مشاحنـات وخلافـات بين أبنـاء المشروع نفسه. لسان حال بعض هذه التيارات: {لو كان خيراً ما سبقونا إليه}. ومرحلة اليقظة تتطلب الإنصاف في عرض الإنجازات، والإيمان بأنها كلها ملك للأمة، وأنها جهود من تيارات مختلفة تعددت اجتهاداتها، فتنوعت إنجازاتها. لقد آن للمشروع أن تقوده عقليات قائدة – تجمع لا تفرق - لا تنظر إلا سفاسف الأمور بل توظف كل إنجاز لرفع الروح المعنوية للأمة. ويكفي أن الوحي بشر بانتصار الروم - وهم ليسوا مسلمين – ليرفع معنويات الأمة آنذاك. قال تعالى: {غلبت الروم. في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين  لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون. بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم}
إن استثمار كل إنجاز لأي تيار وعرضه للجماهير أمر هام جداً في عملية البعث النفسي.وتبقى النقطة الأخيرة وهي حسن عرض الإنجازات واستخدام كل الوسائل والتكنيكات الحديثة لتحقيق ذلك مع دراية جيدة بنفسية الجماهير وكيفية تشكل الرأي العام لديهم
مستلزمات  القانون:
1- المعرفة:
فمعرفة القانون هو أول ما يجب على قادة وطلاب النهضة. وتشمل:
معرفة منطوق القانون ومعناه.
الإلمام بعلوم الإعلام والدعاية السياسية والرأي العام والحرب النفسية كأدوات في الصراع.
2- الاستخدام:
فالقانون إن تمت المعرفة به وجب استخدامه في التغيير استخداماً محنكاً، وذلك من خلال:
إعادة عرض التاريخ.
عمل تراكم في الإنجازات العملية.
توظيف إنجازات الآخرين.
حسن عرض هذه الإنجازات بما يتمشى مع أدق قواعد علوم الدعاية السياسية والرأي العام.
ولعل المهتمين بالعمل الإعلامي والتعليمي والخطابي في مشروع النهضة لهم دور كبير في استخدام هذا القانون.
3- عدم المصادمة:
وتتم مصادمة القانون والحصول على نتائج عكسية إذا لم يتم استثمار إنجازات جميع العاملين في ساحة الفعل النهضوي، أو إذا أسيء عرضها أو استخدامها.
كما تتم مصادمة القانون إذا تم التعامل مع هذه الإنجازات بصورة ارتجالية غير علمية، وإذا لم يتم استخدام أدوات الدعاية السياسية والرأي العام والحرب النفسية.
معادلات القانون: وجود فكرة مركزية وفكرة محفزة + بعث نفسي وروح إيجابية = استعداد للعمل والانطلاق. 

ليست هناك تعليقات: