04‏/03‏/2013

قوانين النهضة / جاسم سلطان / القانون الخامس

قوانين النهضة لجاسم سلطان  القانون الخامس

القانون الخامس

القوة والخصوبة

منطوق القانون:
"إن قوة الأمم ونهضاتها إنما تقاس بخصوبتها في إنتاج الرجال الذين تتوافر فيهم شرائط الرجولة الصحيحة"
مفردات القانون:
الخصوبة: ونقصد بها حيوية الأمة وقدرتها على إنتاج العدد الكبير من الرجال القادرين على النهوض بها بلا انقطاع.
الإنتاج: ونقصد به المُخرَج أو الناتج النهائي لعمليات الانتقاء والتربية والإعداد اللازمة للفرد لكي يتمكن من المشاركة في عمليات التغيير والتحول الاجتماعي.
أهمية القانون:
إن قوام أي حركة نهضوية هم الرجال. وبدون هؤلاء الرجال الذين يأخذون على عاتقهم تحويل الأفكار إلى واقع؛ يبقى المشروع أسير النظريات. فإعداد الرجال وتجهيزهم لحمل المشروع والانتقال به ضرورة لا غنى عنها.
أسئلة محيرة:
إن قضية التربية أو إعداد الرجال تُعد من أهم القضايا والملفات التي ينبغي أن يهتم بها العاملون في مشروع النهضة. وقد تعددت الاجتهادات وطرحت الكثير من الآراء حول هذا الموضوع في مرحلة الصحوة، إلا أنه لا زالت هناك أسئلة كثيرة تحير القادة والعاملين في المشروع. ومنها على سبيل المثال:
من هم الرجال المطلوب إعدادهم؟
من الذي سيعدهم؟
على أي شيء سيتم إعدادهم؟
ما هو المخرج النهائي للعملية التربوية؟
كم تستمر هذه العملية التربوية؟
ما هي وسائل التربية؟
ما هي مؤشرات نجاح عملية التربية؟
متى يمكن أن تستوفي التربية شروط الإقدام على عمليات التغيير؟
كيف نحافظ على المتربين؟
كيف نسمح لهم بأن يقودوا؟
ما المقصود بالقاعدة الصلبة وكيف تتحقق؟
كيف ستتم عملية التربية في ظل جهود تعليمية وإعلامية أخرى قد تجهض هذه العملية التربوية؟
ونحن لا ندعي أننا نستطيع الإجابة على كل هذه التساؤلات أو غيرها مما يجول بعقول قادة وطلاب النهضة، ولكننا نفتح السبيل لكل مهتم بهذه القضية ليعيد النظر والبحث والتفكير. وحتى يتم تطوير الملف التربوي في مشروع النهضة بما يناسب المرحلة الجديدة (مرحلة اليقظة) التي تقف الأمة على أعتابها وتوشك أن تلج فيها.
تعريف التربية:
"التربية في الإسلام تعني بلوغ الكمال بالتدريج ويقصد بالكمال هنا كمال الجسم والعقل والخلق لأن الإنسان موضوع التربية"
وهي "تستهدف مساعدة الفرد على تحقيق ذاته وتنمية قدراته وإمكانياته وتزويده بالمهارات المعرفية والسلوكية والعملية التي تمكنه من أن يحيا حياة حرة كريمة بعيدة عن الجهل وشبح الفقر وإهدار القيمة والكرامة الإنسانية".
تربية الرسول r لأصحابه
وقبل أن نتطرق إلى تربية الرسول rلأصحابه نود أن نشير إلى تعريف المحدثين للصحابي.  "فالصحابي عند المحدثين هو من لقي النبي rمؤمناً به ومات على الإسلام.. ومن جهة ثانية يدخل فيمن لقي النبي r- كما يقول الحافظ ابن حجر – من طالت مجالسته أو قصرت، ومن روى عنه ومن لم يروِ، ومن غزا معه ومن لم يغزُ، ومن رآه رؤية ولم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى" وعلى ذلك يدخل في جملة الصحابة من شهدوا حجة وخطبة الوداع مع رسول الله r، والذين بلغ عددهم تسعين ألفاً
والذي يتأمل في تربية الرسول r لأصحابه يجد أمراً عجيباً. فقد انقسم الناس باعتبار تلقيهم للتربية  من رسول الله rكماً وكيفاً إلى ستة أقسام:
القسم الأول: ويشمل الذين لازموا رسول الله r وصحبوه في مكة وتلقوا عنه الوحي آية تلو آية، مثل أبي بكر وعلي رضي الله عنهما، وهؤلاء عددهم قليل جداً إذا ما قورن بغيرهم، يصل في أكثر التقديرات إلى ثلاثمائة صحابياً. فإذا استبعدنا من هذا القسم المجموعة التي هاجرت إلى الحبشة وكانوا يزيدون على المائة - ثلاثة وثمانين رجلاً وثماني عشرة امرأة – سنجد أن هذا القسم الذي لازم النبي rوصحبه وتلقى عنه مباشرة منذ مبعث النبي rوحتى وفاته لن يتجاوزا المائتي صحابي.
القسم الثاني: ويشمل الذين أخذوا الأمر من الرسول r بترك مكة، سواءً للهجرة إلى الحبشة مثل جعفر بن أبي طالب - وكان عددهم حوالي مائة صحابي. أو الذين أسلموا في مكة وأمرهم الرسول r بالعودة إلى قبائلهم وألا يأتوه إلا إن أظفره الله على عدوه مثل أبي ذر الغفاري وأبي موسى الأشعري.
القسم الثالث: ويشمل الذين أسلموا بالمدينة قبل أن يأتيها رسول الله r وكانت البيعة معهم على النصرة والجهاد.
القسم الرابع: ويشمل الذين أسلموا أثناء الصراع والجهاد فلحقوا بالمدينةمثل خالد بن الوليد ونعيم بن مسعود وعمرو بن العاص.
القسم الخامس: ويشمل الذين كانوا يكتمون إسلامهم ولم يسلموا إلا قبيلالفتح، ولكنهم كانوا ينصرون رسول الله r مثل العباس عم النبي r.
القسم السادس: ويشمل الذين أسلموا بعد الفتح ولحقوا بشرف صحبة رسول الله rقبل موته كسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل وأبو سفيان بن الحارث.
وسنقف قليلاً مع كل صنف من هؤلاء لنتعرف على كيفية تلقيهم للتربية النبوية، ونبحث في مقدار ما تلقوه بالمقارنة بنوعية الأداء الذي مارسوه، والمهام التي وكلت إليهم في المشروع الإسلامي.
1- القسم الأول:
لاشك أن الذين لازموا الرسول r في مكة - مثل أبي بكر وعمر وعلي وغيرهم من الصحابة الأخيار - كانوا يتلقون الوحي منه ويتأثرون بسلوكه وتوجيهاته المباشرة. ولكن المتأمل في الجرعة التربوية التي تلقوْها قبل انطلاقهم لنصرة هذه الفكرة الجديدةيجد أنها يمكن أن تلخص في جملة واحدة: "أنهم آمنوا بفكرة الرسول r وصدقوا أنه نبي مرسل من ربه".لكن هذا الإيمان لم تكن وراءه تفاصيل أو تفريعات كثيرة، حيث كان يتنزل الوحي ببطء حسب المواقف والأحداث. وسنجد أبا بكر ينطلق لنصرة الفكرة الجديدة والدعوة لها، فيسلم على يديه خمسة من العشرة المبشرين بالجنة،
ويعتق العبيد، ويقف لقريش يحول بينها وبين  إيذاء رسول الله r. ولم يكن وراء كل هذا الفعل الضخم وتلك الممارسات الفعالة سوى بعض من قصار السور وبعض الآيات، بالإضافة إلى التلقي المباشر من شخص رسول الله r.
ومن الأمور العجيبة أن حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب  رغم أنهما أسلما في نهاية العام الخامس من البعثة إلا أنهما سبقا في أدائهما ونصرتهما للمشروع الإسلامي الكثير ممن رافقوا رسول الله r منذ اليوم الأول وتربوا على يديه الشريفتين. قال ابن مسعود: إن إسلام عمر كان فتحاً، وإن هجرته كانت نصراً، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا ما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشاً حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه.
فما الذي تربى عليه عمر رضي الله عنه حتى يتأهل للقيام بهذه المهمة، التي لم يستطع أن يقوم بها من سبقه من الصحابة والذين سبقوه في التربية كذلك.
يتبين لنا مما سبق أن النبي r لم يحدد جرعة تربوية  يجب على المسلم أن يأخذها قبل أن يلتحق بالعمل في المشروع الإسلامي – اللهم إلا الشهادتين - ثم يستكمل تربيته  في غمار الأحداث.
2- القسم الثاني:
الذين أخذوا الأمر من الرسول r بترك مكة وهؤلاء صنفان:
صنفبعثه الرسول r إلى الحبشة بعد سنتين من جهرية الدعوة وقال لهم r: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل لكم فرجاً مما أنتم فيه"
وصنف أسلم وعاد إلى قبيلته يدعوها،ثم عاد إلى النبي r في المدينة بعد أن أظهره الله.
والذي يتأمل في إرسال الرسول r لصحابته إلى الحبشة – وهم ما زالوا حديثي عهد بالإسلام – يتبادر إلى ذهنه مجموعة من التساؤلات:
ما المدة الزمنية التي قضاها الصحابة في الحبشة؟
من الذي كان يربيهم في الحبشة طوال هذه الفترة؟
ألم يكن أهلها يدينون بالنصرانية التي قد تفتن المسلمين؟!
لقد كانت الهجرة في السنة الخامسة من البعثة، وعلى أفضل التوقعات فإن الوحي كان يصل للمسلمين في الحبشة بشكل أو بآخر، لكن شخص النبي r - المربي- لم يكن معهم.وقد ضمت هجرة الحبشة الثانية حوالي ثلاثةً وثمانين رجلاً وثماني عشرة امرأة. وإذا تأملت هذا العدد فستجده يتكون من مجموعة كبيرة وكتلة ضخمة من الذين أسلموا. وها هو الرسول r يبعدهم عنه وعن محضنه التربوي لمدة تقرب من الخمسة عشرة سنة، ليعودوا مرة أخرى إليه بعد فتح خيبر في السنة السابعة من الهجرة.
إنها خمسة عشرة سنة كاملة وهم بعيدون عن النبي r.فمن الذين رباهم وعلمهم؟! وكيف يخاطر الرسول rويبعث بهذه المجموعة  - حديثة العهد بالدين الجديد - ليقيموا وسط مجتمع نصراني يتعصب لعقيدته ذات الشرعية التاريخية ويدافع عنها؟! وهل بعد قدومهم إلى المدينة أجلسهم رسول الله rإلى جواره ليستكملوا تربيتهم ويأخذوا ما فاتهم أم أطلقهم لاستكمال المشروع جهاداً وبذلاً؟!
إن المتأمل في سيرة رسول الله rسيجده قد أطلق جعفر بن أبي طالب - زعيم المهاجرين إلى الحبشة أميراً على رأسالجيش في غزوة مؤتة بعد عودته إلى المدينة ببضعة أشهر فقط. وكان في الجيش عبد الله بن مسعود والمقداد بن الأسود. وهما من مهاجري الحبشة أيضاً.
هذا عن مهاجري الحبشة، أما بعض الصحابة الآخرين فقد أمرهم الرسول r بالعودة إلى قبائلهم. وكان منهم أبو ذر الغفاري الذي أسلم ولم يأت النبي r في المدينة إلا ومعه قبيلتي أسلم وغفار. ترى من الذي ربى أبا ذر وقبيلتي أسلم وغفار طيلة هذه الفترة؟!
3- القسم الثالث:
ويمثله مجموعة من الأوس والخزرج الذين أسلموا ولم يتلقوا هذه التربية المكية الطويلة فكان إسلامهم إسلام جهاد ونصرة. ولا يختلف اثنان في قصر المدة الزمنية للتربية التي تلقاها الأنصار إذا ما قورنت بالمهاجرين.
4- القسم الرابع:
ويمثله منأسلموا أثناء الجهاد والصراع مثل خالد بن الوليد. فإذا به يقود جيوش المسلمين بعد عدة أشهر من إسلامه رغم أنه لم يمر بعملية تربوية معقدة تستمر عشرات السنين.
5- القسم الخامس:
ويمثلهبعض الذين كانوا يكتمون إسلامهم في مكة أو لم يسلموا إلا قبيل الفتح. وقد استعمل النبي r بعضهم مثل العباس، فكان ممن شهد بيعة العقبة الثانية - وهو لم يسلم بعد - بينما لم يعلم بها الكثير من الصحابة آنذاك. ترى ما هي نظرية الرسول r في التربية؟! وكيف يقدم عمه وهو غير مسلم؟! أليس معرضاً للفتنة؟! إنه لم يرتقِ إيمانياً؟! ترى هل يثبت؟!
6- القسم السادس:
ويمثله الذين أسلموا بعد الفتح من أمثال عكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو وصفوان بن أمية. وكلهم كانوا من الذين أبلوا بلاءً حسناً فيما بعد. وثبتوا في وجه موجة الردة التي اجتاحت الجزيرة العربية عقب وفاة رسول الله rرغم البون الشاسع – من حيث التلقي من النبي r  – بينهم وبين السابقين الأولين من الصحابة الأخيار رضوان الله عليهم جميعاً.
كيف نقرأ كل هذه الممارسات التربوية النبوية؟ وماذا كانت رؤية رسول الله rللعملية التربوية؟!
خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا
هذه هي القاعدة التي وضعها رسول الله r والتي تفسر لنا فكرة التربية. إن التربية أمر لابد منه، وهو مستمر مع الإنسان حتى مماته. لكن الإنسان المبدع القوي المنتج وهو خارج دائرة الإسلام هو نفسه داخل  دائرة الإسلام إذا فقه الدين وفقه حقيقة المعتقد الجديد الذي آمن به. فكم أخذ عمر بن الخطاب من لحظة اعتناقه للإسلام إلى أن يصبح قائداً لأول مسيرة - إن صح التعبير - طافت حول الكعبة؟! كم أخذ من الوقت؟! وهل تلقى قدراً معيناً من المعلومات قبل انطلاقاته حتى يُجاز لمثل هذا الفعل؟! يقول ابن مسعود من رواية البخاري {ما زلنا أعزة منذ أن أسلم عمر}. إن عمر رضي الله عنه كان قوة للإسلام، ولم تكن قوته مستمدة من التربية التي تلقاها أول إسلامه، بل هو الذي منح المسلمين القوة بإذن ربه.
فحمزة وعمر رضي الله عنهما كانا أصحاب بأس وعزم وقوة في الجاهلية، فلماأسلما سخرا هذه القوة للإسلام. لكنهما لم يكونا بحاجة إلى تربية خاصة ليكونا أقوياء.وبالمثل كان سيف الله المسلول خالد بن الوليد فارساًبطبيعة الحال.وقبل إسلامه كانسيفاًمسلطاًعلى أعدائه.فكان هو الذي اكتشف ثغرة المسلمين في أحد فهجم عليهم وقتل خيارهم. إن خالد بن الوليد لم يصنع منه الإسلام سيفاً، وإنما جاء الإسلام ليشرفه بأن يكون سيف الله بدلاً من أن يكون سيف الكفر. فتربية خالد بن الوليد لم تستغرق وقتاً طويلاً حتى يكون مؤهلاً لقيادة جيوش المسلمين لأنه كفء لهذه المهمة.
لقد وصف رسول الله r أبا ذر وصفاً رائعاً فقال: {ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر}. لقد صدح أبو ذر بالإسلام - عقب إسلامه في مكة - رغم أن الرسول rلم يأمره بذلك، فكان هذا النعت له بأنه صادق اللهجة، إذا عرف الحق صدح به. وهكذا كانت حال أبي ذر  قبل أن تتدخل أي تربية جديدة لتصوغه، فإن أسلم فهو صادق في الحق، لا يخاف في الله لومة لائم.
إن عملية التربية لم تكن تستغرق زمناً طويلاً قبل أن يؤذن للفرد بالعمل. فالعمل في ذاته تربية، وهذا الانتقال لمواجهة الواقع تربية. فليس هناك ارتباط شرطي بين التربية الطويلة و بين نتائج العمل و بين العمل الذي سيقام به.
الجميع يشارك في المشروع الإسلامي
يتبين لنا مما سبق عظم هذه القاعدة الجليلة. فخيار الناس في الجاهلية هم خيارهم في الإسلام. ولذلك فعلى الجميع أن يشاركوا في المشروع الإسلامي. أما التربية وتعلم العقيدة فتكون مع الحركة والبذل، وإلا فنحن نبتدع ما لم يقم به رسول الله r.
ويتوهم البعض أن هناك قسطاً ما من التربية يجب أن يؤخذ قبل أن يمارس الناس العمل في المشروع من أجل تغيير الأوضاع القائمة. وهذا ابتداع لم يقم به الرسول r، ويعبر عن سوء قراءة للسيرة، فالأسود الراعي أسلم ولم يسجد لله سجدة، واستعمله الرسول rفي مشروعه وفي ذروة سنامه "الجهاد"، فاستشهد ولم يسجد لله سجدة، ولم يؤخره النبي rبحجة عدم استكمال التربية. وهذا خالد بن الوليد يحكي في قصة إسلامه قول رسول الله rلأخيه الوليد بن الوليد سائلاً عن خالد – رضي الله عنه : ".. ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين على المشركين لكان خيراً له ولقدمناه على غيره".
بل إن نعيم بن مسعود أسلم في غزوة الأحزاب، وكان المسلمون  في مأزق شديد وجاء إلى النبي rيطلب منه أن يأمره بأي شيء يفعله. ترى ماذا قال له النبي r؟! هل قال له اذهب إلى الصفوف الخلفية لتتربى على يد كبار الصحابة؟! لا، لقد أمره أن يخذل عن المسلمين ما استطاع، فاندس بين صفوف المشاركين وهو حديث عهد بالإسلام، لم يتلق بعد أي قدرٍ من التربية؛ بل ربما لم يحفظ ولو آية واحدة. وبالفعل كان لهذا الصحابي الجليل فضلاً كبيراً في جلاء الأحزاب حيث أوقع الشقاق  بين قريش واليهود. لقد فعل ما لم يقم به أبو بكر أو عمر أو حتى النبي rنفسه.
ينبغي أن يشارك الجميع في المشروع، فقد يوجد شخص ما خارج نطاق الدعوة له ملكات و مهارات، و بانتقاله إلى مساحات جديدة في المشروع ينقل هذه الخبرة إليه، و لا يحتاج إلى جلسات طويلة لعشرات السنين ظناً منا أنه بعد ذلك سيكون إنساناً منتجاً و فعالاً, إذ ليس هناك ارتباط شرطي بين المدد الزمنية المحددة للتربية وعملية الإنتاج في مجال الدعوة والنهضة. فكم من شجاع مقدام مفكر لم يقرر العمل في المشروع، لكنه إن التحق به نقله نقلة نوعية بجرأته وإقدامه ورجاحة عقله، وكم من جبان خوار متبلد الفكر يعمل في المشروع ويؤخر تقدمه رغم أنه يتعرض لتربية تجاوزت عشرات السنوات.
التوظيف الصحيح
مما سبق نفهم أن ما كان يقوم به النبي rهو حسن توظيف للطاقات، فمن أعطاه الله فصاحة كان متحدثاُ رسمياً عن الدعوة، ومن أوتي الدهاء والقوة كان قائداً عسكرياً.
واليوم بعض تيارات الصحوة لا تستطيع أن توظف الطاقات، فهي تتعامل مع المبرمج كما تتعامل مع الفنان، كما تتعامل مع الكاتب، الكل مكلف بمهام واحدة، وإن لم يقم بها فقد تعدى الضوابط، ويتهم بسوء التربية، والواقع أن هذه الطاقات لم يحسن استيعابها وتوظيفها فيما حباها الله من ملكات. لأن كل فرد مسئول أولاً أمام الله في تسخير طاقاته وملكاته.
التوثيق لا التربية
وتعلل بعض الحركات والتجمعات هذا الاهتمام الشديد باستكمال التربية أولاً قبل البدء في الفعل الجاد بأن نهضة الأمة وتقدمها تُحارَب وتُقاوم من قِبَل الكثير من الجهات الخارجية والداخلية، وأن هذه الجهات تحاول اختراق تلك التجمعات أو الحركات للقضاء عليها وعلى كل أمل للنهضة والتنمية والتقدم، وبالتالي لابد من أن يمر الشخص الذي يريد خدمة المشروع بعملية تربوية طويلة حتى يتم التأكد من نواياه الحقيقية واستعداداته، ولضمان ولائه.
ونشير هنا إلى أنه لابد من التفرقة بين التربية والتوثيق أو الاحتياط أو التأمين. فالممارسات التربوية لرسول الله rوصحابته كانت واضحة وبينة. فإذا ما كانت التنظيمات آمنة وتمارس العمل العام في حرية؛ فأسلوب التربية النبوي هو الأمثل. أما في حالة السرية فالأمر خارج نطاق التربية تماماً، وإنما هو التأمين والتوثيق والاحتياط.
لابد أن يكون هذا الفارق واضحاً في عقول طلاب وقادة النهضة، لأن عدم وضوحه يؤدي إلى التداخل بين التربية والتوثيق تداخلاً يصعب التعامل معه. بحيث تصبح الفكرة المسيطرة على جميع العاملين هي التربية الطويلة قبل العمل. فإذا تحولت الحركة السرية  إلى حزب علني فمن الخطأ أن يعتمد على نظام التوثيق ظناً منه بأنه يمارس عملية التربية. إن وضوح الرؤية يجعل الحركة تمارس في كل مرحلة ما يناسبها من إجراءات وأنظمة، كما يجعلها لا تخلط بين التربية والتأمين.
ما هي مخرجات التربية التي نريد؟
إذا تأملنا في التربية الأولى للصحابة سنجدهم تربوا على الاستقلالية والمسئولية الفردية. يقول الله تعالى: {وكلكم آتيه يوم القيامة فرداً} ويقول: {يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً وهم لا ينصرون}، ويقول: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يُرى}
وقد وضع حسن البنا – رحمه الله - قاعدة تربوية لذلك فقال:  "علموه - أي الجيل -:
استقلال النفس و القلب.
استقلال الفكر و العقل.
استقلال الجهد والعمل."
أما قوله "استقلال النفس والقلب" فيقصد به حب الحق لا حب الأشخاص. أي التعرف على الفكرة لا التعرف على الأشخاص. فكثير من الناس يهتم بمعرفة الأشخاص، ولا يتساءل أبداً ما هي الفكرة التي يطرحونها. لم يناقشها أو يبحث فيها أو يرى أبعادها، لكنه مقلد في المطلق فعندما تقال له فكرة يقول من قائلها؟ فإذا قيل له فلان رفضها- وإن كانت حقاً- وإن قيل أن قائلها فلان قبلها-
ولو كانت باطلاً.
كيف يمكن تربية جيل النهضة على أهمية التعرف على الأفكار ومناقشتها مناقشة علمية موضوعية بعيداً عن الحماس والعاطفة؟! هذه مسألة في غاية الحيوية. وإذا استعرضنا القطاعات الكبيرة
من العاملين في ساحة النهضة اليوم لنرى كم منهم يعرف على وجه اليقين - وليس على سبيل الظن- الفكرة التي يتحرك أو يدور حولها، وكم منهم يستطيع أن يشرح فكرته لغيره في شكل واضح لا يقبل لبساً، ويجيب على التساؤلات المطروحة عليه. سنجد قلة قليلة ممن تعرف ما الذي تتحدث عنه, بينما تجد الكثرة الغالبة هم أتباع مقلدون لأشخاص أو لجماعات أو لاتجاهات أو لتيارات.
كما أن "استقلال النفس والقلب" يعني الارتباط القلبي بالله سبحانه وبالإسلام ديناً، ارتباطاً لا يعكره أي ارتباط آخر. ومن ثم فكل من يقدم إنجازاً لنصرة دين الله فنحن نحبه وندعو له- حتى وإن كان يخالفنا أو يتبنى فكرة غير التي نراها. إنه القلب الذي عبد الله رب العالمين وأحب فيه وأبغض فيه، وليس القلب الذي عبد الجماعة أو الحزب فأحب من في الحزب وأعرض عمن سواهم.
ثم انظر إلى قوله "استقلال الفكر و العقل". فاليوم في عمليات التدريب العام هل يلقن الناس إجابات معينة أم يدربون على النظر الناقد و على الفكر المبدع و يطالبون بإيجاد حلول  لما هو مطروح عليهم من أسئلة الواقع؟! وليسأل كل منا نفسه: ما هو حجم تعليم منهجيات التفكير داخل هذه البنية الواسعة المنتشرة من التيارات و الأحزاب و التنظيمات و غيرها؟! سنجد أن القليل يسمح
بممارسة هذا النوع من المنهجية. فبعض تلك التيارات لا يتساءل عن أموره الداخلية ناهيك عن الواقع المحيط خارجه. فأين نحن من استقلالية الفكر والعقل؟!
لابد أن يمتلك طلاب النهضة وقادتها أدوات النظر والبحث، خاصة في الشريحة العليا التي تمثل الطبقة التي توجه الآخرين. فعندما يصل إلى هذه الطبقة العليا (القيادة) من لا يمتلك أي ملكة  في التفكير الناقد أو التحليلي أو التصوري، فإنه يقتل التفكير بين العاملين معه. فينشأ الجمود تبعاً لذلك. هذه قضية خطيرة يجب معالجتها في تيار النهضة الإسلامية.
لابد من تعليم الفكر الناقد - أي تعليم  المنهجيات التي يتم بناءً عليها قراءة الواقع - وتعليم الفكر الإبداعي لإيجاد الحلول لقضايا الواقع بحيث لا يتجمد الذهن عند عمل مفكر ما - مهما جل قدره وعظمت مكانته و صعد نجمه في لحظة من اللحظات -بل يجب أن يكون التفكير المبدع مفتوحاً بحيث يستطيع الناس أن يتخيلوا وأن يناقشوا وأن يطرحوا أفكارهم. هذه الأفكار المبدعة - التي تحلق بالناس و توجد حلولاً للواقع الصعب - قد تأتي من أي مكان ومن أشخاص قد لا يُأبه لهم. و يجب تدريب الناس على تقديم هذه الحلول و مناقشتها و بحثها و النظر فيها.
المسألة الثالثة "استقلال الجهد والعمل". فكثير من الناس يكتفي بمجرد الانتماء إلى تيار الصحوة. فإذا مرت السنوات لم يكن له إنتاج و لا مشاركة و لا عطاء. فإذا توقف الناس توقف ولا يتساءل ما الذي أفعله أنا؟! كيف يمكن أن أساهم في نهضة الأمة؟! إنه لا يتبنى أو يدعم مشروعاً، ولكنه فقط ينتظر مع المنتظرين.
فتعليم الناس استقلال الجهد و العمل يعني أن يكون الشخص مستقلاً بجهده و عمله، فإذا عمل الناس زاد عملهم خيرا ًونفعاً ودعماً، وإذا توقفوا سارع إلى العمل والإنتاج غير آبه بتوقفهم أو سكونهم. نلحظ ذلك في المبادرة العمرية  في مكة لجعل المسلمين يطوفون حول البيت. فنقلهم بذلك نقلة جديدة لم يطلبها منه القائد رسول الله r. إنه لم يكتف بما كان المسلمون يقومون به – رغم أن معه القائد الموحى إليه – لكنه فكر ونظر كيف ينقل المشروع نقلة جديدة دون أن يكون ذلك بأمر مباشر من القيادة.
وهناك ظاهرة خطيرة ألا وهي تطلع الكثيرين من طلاب النهضة إلى العمل والممارسة بغض النظر عما ينتج عن هذا العمل. هذه النظرة الخاطئة في انفصال النتائج عن العمل خطيرة ومنتشرة ويتم التقنين لها من خلال التلقين السكوني لآيات وأحاديث معينة ووضعها في غير موضعها. والانفصام نشأ بشكل واضح وسافر. فالناس تُطالَب في أعمالها ووظائفها اليومية بالنتائج. وإذا لم تتحقق هذه النتائج فهم مهددون بالطرد والفصل أو الخصم أو غيرها من العقوبات. أما في أمر الدعوة وإنجاز المشروع الإسلامي فالقول الشائع: "إننا نكل الأمر إلى الله سبحانه وتعالى وليس إدراك النتائج علينا"!! نعم.. إدراك النتائج على وجه الجزم ليس بيد الإنسان. فهذا ظرف يخضع لأمر الله سبحانه وتعالى ومشيئته. لكن علينا أن نحاسب أنفسنا على أخطائنا. وانظر إلى المنهج القرآني الذي يعلمنا ذلك. فهو ينسب النصر لله سبحانه و تعالى. يقول تعالى: {و ما النصر إلا من عند الله}. أما عندما تحدث الهزيمة فيقول تعالى: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا  قل هو من عند أنفسكم}. فتحدث عملية مراجعة للخطوات والإجراءات والقرارات، وتُبحث كل هذه السلسلة حتى  يستفاد من هذه التجربة للتجربة اللاحقة. أما أن يتم تجاوز هذه المنهجية، والهروب إلى مساحات أخرى - يتم الانكفاء عليها - لمحاولة تسكين الناس ومنعهم من التساؤل حول النتائج والإنجازات والعمل، فإن ذلك يؤدي إلى تكرار للأخطاء باستمرار.
القاعدة الذهبية
يخاف البعض من المراجعات خشية اتهام النوايا وفساد ذات البين. ونود أن نؤكد أن القاعدة  تقول: {ربنا اغفر لنا ولإخواننا  الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم}. فالسابقون بذلوا جهدهم. وهذا ما استطاعوه في فترتهم ومرحلتهم. فنحن لا نريد أن نحاسب الأشخاص ونتهمهم في نواياهم. فربما كانت قدراتهم محدودة. وربما كان الظرف أقوى منهم. ولكن المراجعة تتم لسلسلة الإجراءات والقرارات لمحاولة تجنب الأخطاء التي حدثت والاستفادة من التجربة ونقلها لأجيال المستقبل.
إن من أكبر الجرائم ألا نقوم بأي مراجعة حقيقية، ثم ننسب الفشل إلى الله سبحانه و تعالى - والعياذ بالله – بحجة أن الله هو الذي أراد ذلك الفشل.
أهمية التربية على الاستقلالية
إن إهمال التربية على الاستقلالية- القلبية والعقلية والعملية  بين بعض تيارات وأحزاب مباركة تعمل في المشروع – أدى إلى إنتاج جيل مُربَّى تربية الأطفال، فهو دائماً يشك في قدراته، وهو

دائماً ينتظر فعل من هو أكبر منه. كما أنه متعصب إلى حزبه تعصباً يحول دون رؤية أي خير في أي تيار آخر.
إننا نريد أن نخرج جيلاً من القادة، وليس جيلاً من الأطفال. جيلاً يبادر وليس جيلاً ينتظر. جيلاً يوحد الأمة وليس جيلاً يتقوقع على منظمته. جيلاً شاباً وليس شباباً شاخ بروحه وبعزيمته، ففقد أهم ما يميز الشباب. إن نزع استقلالية الجيل تعني التبلد الذهني وجمود العمل.
من هو الشخص الذي نريد؟
مما سبق يتبين لنا أن تيار الصحوة اليوم - بعد هذا الاحتشاد الكمي الضخم – بحاجة إلى أن يبحث عن الدرة المفقودة، وعن الأشخاص الذين ينقلون المشروع نقلة نوعية. إنه يبحث عن عمر الفاروق الذي يعطي المشروع قوة وطاقة جديدة. إن واجب المرحلة اليوم – ونحن على وشك الانتقال إلى مرحلة اليقظة – أن نبحث عن القوة النوعية، ننقب عنها، ونبذل في سبيل ذلك كل ما نستطيع.
إنسان النهضة
إننا  نريد إنسان النهضة الذي لديه خمسة صفات: الرباني العامل المفكر الجريء المنتج.
الرباني:المعلق بالله وبمنهجه وشرعه. فلا يعبد إلا الله. ويُسخر حزبه أو تياره لله، فهو يحب في الله ويبغض في الله، لا يحب من في حزبه فقط ويتجاهل من سواهم.
العامل:الذي قرر أن يهجر السكون، ويبذل لدين الله ولو قعد المسلمون جميعاً.
المفكر:الذي يعمل عقله ويمتلك أدوات التفكير الناقد والإبداعي، ويمحص سبل العمل ولا يتوقف عند فكرة شخص ما بل يعمل عقله في ما يطرح عليه. ساعياً للتطوير الدائم.
الجريء:الشخص المقدام الشجاع المضحي، فهو جريء في فتح مجالات جديدة، وفي استخدام وسائل جديدة، وجريء في مناقشاته، وفي تساؤلاته. إنه لا يخاف في الله لومة لائم.
المنتج:الذي يتأكد من أن كل وسيلة يقوم بها منتجة. فإن لم تنتج غيَّرها أو طورها. فهو لا يعبد الوسائل وإنما يبحث عن النتائج ويقيم أداءه تبعاً لذلك. فهو شخص الإنجازات الذي لا يؤمن بأي تبرير للفشل.
كيف نعد إنسان النهضة:
ذكرنا أن علينا أن نبحث عن الدرة المفقودة، وعن الجائزة الكبرى التي تنقل المشروع بإمكاناتها نقلة جديدة، لكن ذلك لا يمنع من أن تتم عملية تربوية جادة لإعطاء العاملين في النهضة الملكات التي يتحولون بها من الغثائية إلى القوة النوعية. ونقترح لذلك هذه الحزم الثلاث:
حزمة الأدوات الشرعية: مثل العقيدة وأصول الفقه وغيرها.
حزمة الأدوات الإدارية: مثل التخطيط للمشاريع وكتابة التقارير وغيرها.
حزمة العلوم الإنسانية: مثل التحليل السياسي وفلسفة التاريخ والجيوبوليتك وغيرها.
وبدون أن يمتلك الجيل  - أو قادته على الأقل - هذه الأدوات سيظل لعبة في أيدي خصمه. ونقترح أن تبسط هذه الأدوات وتدرس لجموع العاملين، فكلما انتشر الوعي بها كلما زادت القوة النوعية، وكلما تحسن الأداء وزاد الإنجاز.
إن التربية لا ينبغي أن تُغلِّب جانباً على آخر، ولابد من إعطاء الجسم حقه، والقلب حقه، والعقل حقه.
آليات التربية
نحن نحتاج إلى ثورة حقيقية ومراجعة شاملة لقضية التربية. وفي هذا السياق يجب التفريق بين ضرورة التربية وآليات التربية وأدواتها. فلا يختلف اثنان في أن التزكية والتربية ضرورية. لكن آلياتها هي التي فيها سعة ومرونة. وتنقسم هذه الآليات إلى آليات عامة وآليات خاصة:
الآليات العامة
وهي الآليات والوسائل العامة التي كانت على عهد النبي rوسنها لنا، وآليات أخرى أتى بها الوحي الكريم. مثل الصلوات الخمسة وإحياء الليل وأذكار الصباح والمساء وأذكار الأحوال، والحج والعمرة وغيرها من الوسائل التربوية. إن الآليات العامة تشمل كل أمر أو ندب أو نهي. وينبغي أن تأخذ هذه الوسائل الربانية حقها. وتعتبر هذه هي الوسائل الأصيلة في التربية. فكل أمر وكل نهي له مردود تربوي لتزكية النفس.
الآليات الخاصة:
وهي التي يحددها كل تيار أو حزب لنفسه ويختص بها العاملين فيه. ولا بأس من تخصيص وسائل تربوية- طالما أنها لا تتعارض مع الشرع.
قواعد هامة
وهناك نقاط هامة يجب الانتباه إليها حتى لا يتم الخلط بين الآليات الخاصة والعامة:
يجب عدم إهمال الآليات العامة التي شرعها الله ورسوله بحجة الآليات الخاصة. فإن العامل بذلك يفقد وسائل هامة جداً من الوسائل الربانية.
وقد كان تنوع آليات التربية بين السرية والعلنية في عهد الرسول rيخضع للظروف. والأصل هو التربية العامة في المسجد والاستثناء تبعاً للظرف. فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتعلمون في مجالس الرسول r, فمجالسه كانت هي المعلم الأساسي للصحابة رضوان الله عليهم, وما يذكر عن دار الأرقم في السيرة النبوية المطهرة هو استثناء للأصل، فهناك كانت فئة مطاردة لا تمتلك  أي منصة علنية تقف عليها، إنه ظرف محدد قاد إلى مثل هذا الأداء. ترى كم نمتلك من معلومات عما كان يدور في هذا اللقاء؟! فقد نسجت حوله التصورات وتم البناء عليها، واعتبر دار الأرقم من المطلقات، وأنه يجب أن يستمر مع كل الدعوات في كل الأوقات. إنه أمر فيه مبالغة شديدة ومجافاة للواقع العملي الذي نشهده في بعض الدول من حولنا وفي التجارب الإنسانية التي تدور حولنا.
وبعض الناس يرى أنه لابد من التربية السرية وكل ذلك مرهون بشروط وظروف. فهذا التكلف الضخم في السرية والموجود داخل بعض الأطر النهضوية في الأحزاب والمنظمات يضر مشروع النهضة في المجتمعات الإسلامية ضرراً كبيراً، ويزيده انغلاقاً.
 يجب عدم الهروب من العمل الجاد والبذل بحجة أن الأفراد لم يتربوا بعد. فالآليات الربانية العامة هي الأصل، والتي كان منها الصدع بالدعوة والجهاد والبذل على اختلاف المستويات التربوية. فالدعوة والبذل من الآليات العامة التربوية التي شرعها الله للأمة، وليست عملاً منفصلاً عن التربية. فالعمل والتضحية والقيام بالأعباء تربية -وتربية أساسية - أما التربية النظرية فإنها تأتي كداعم لهذا المشروع والعمل له على بصيرة. أما من يجلسون بالسنوات دون إنتاجية وعمل ينتظرون تحولاً ما  في شخصياتهم ليبدأوا العمل؛ فهؤلاء واهمون وسيطول انتظارهم.
إن عملية التربية عملية ديناميكية فيها بدائل كثيرة, وهي رهينة الظروف والتحولات والأدوات المتاحة. ونحن اليوم في عصر الثورة التقنية. فالوسيلة المعرفية ووسائل نقل المهارات أصبحت متعددة وكثيرة. وقد يقول قائل أن التربية تحتاج إلى صحبة واقتداء. وهذا صحيح, لكن ليس بالضرورة أنها درس صغير في مكان مغلق, فالإنسان قد يصحب قادة النهضة والمتحركين في النهضة ويرى سلوكياتهم ويقتدي بهم ويتعرف عليهم ويعاشرهم ما أتيحت له الفرصة, وليس بالضرورة أن يجلس في جلسة مصغرة في شكل مستمر إلى أبد الآبدين بدعوى أنه قرر أن هذه هي الوسيلة الوحيدة للتعلم. وإن كان هذا ليس محرماً وليس خطأً، ولكنه ليس من المطلقات أو المسلمات، فليس هذا هو الشكل الوحيد الذي يجب أن تتخذه التربية. فيمكن أن تكون لحركة النهضة حلق العلم والتفقه, ويمكن أن تكون لها مجالس التوجيه والوعظ, ويمكن أن تكون لها أشكال غير ذلك حسب الظروف والبيئات.
تقييم الوسائل التربوية
إن لكل وسيلة (خاصة) سلبياتها وإيجابياتها ولا بأس من تعدد الوسائل وتجريبها والسؤال الذي يطرح نفسه: هل تمت دراسة هذه الوسائل لتقييم نتائجها على وجه الحقيقة لا وجه الانطباع؟! فالبعض يطرح وسيلة تربوية ما، ويدعي أنها  وسيلة للتعلم. فكم من الناس تعلم منها علماً  شرعياً أو دنيوياً؟؟ يجب أن يكون هناك إحصاءات لرفع الواقع  الحقيقي. ومن الأسئلة المطروحة لتقييم أي وسيلة تربوية:
ما الهدف منها؟
هل هي وسيلة توجيه أم تدريب أم بناء روحي أم علمي؟
هل هناك وسائل أخرى أفضل منها؟
إذا لم يوجد الآن هل يجب التفكير في وسائل أفضل؟
كم من الأفراد يستفيدون من هذه الوسيلة؟
ما رأي العاملين في الوسيلة؟
ما المدة الزمنية التي بعدها يجب تقييم الوسيلة؟
هل تقييمنا للوسائل انطباعياً يعتمد على الإحساس أم أنه تقييم رقمي؟
فإذا قلنا أن وسيلة ما تستخدم للالتقاء والتجمع والتناصح وعمل الخير في مكان ما، فيجب الإجابة على هذه الأسئلة ودراسة مفرداتها منفصلة عن بعضها. لمعرفة كم يتحقق منها على أرض الواقع لتقويم هذه الأداة. فبدون هذه الدراسات سيكرر الناس وسائل ويهدرون أعمارهم بناءً على انطباعات وتخيلات وأوهام, لكن هذه الوسائل قد لا تصمد عند البحث العلمي كثيراً.
ونحن لا نهدف من بحثنا هذا أن نهدم وسائل تربوية ؛ ولكن كل ما نريده أن يتحول تيار النهضة من التقليد والمحاكاة والاكتفاء بما هو قائم، إلى الرشد واليقظة والتفكير المستمر في ما هو أفضل وأحسن. نحن نريد للتجمعات والتيارات أن تُجوِّد أعمالها ووسائلها بصفة مستمرة ودورية. ولا يهمنا في كثير ولا قليل شكل الوسائل أو طبيعتها، إنما نريد أن نرى منهجية صحيحة في التفكير والبحث والانتقاء والاختيار. بغض النظر عما سينتج عن هذا الاختيار من وسائل وأدوات.
    بعض الأخطاء التربوية
1. تبرير الفشل
لابد من التوقف عن تبرير الفشل من خلال عدم المراجعة و التقويم. ولابد أن يمتلك العاملون أدوات المراجعة والتقويم العلمي, وأن يُزودوا بأدوات فن الاختلاف في جو من المودة والحب والرحمة تجنباً للاصطدام الداخلي بسبب عمليات المراجعة. فيجب أن يتعلم الإنسان أن هذه المراجعة لاكتشاف الحقائق وتقرير ما يجب عمله في المستقبل، وليس محاكمة للماضي وأشخاصه.
2. تكرار السير في الطرق المسدودة
ومن الأخطاء المتكررة في عملية التربية تكرار السير في الطرق المسدودة. فقد تجد حركة النهضة أماكن مسدودة في مناطق معينة من العالم, ثم تستمر في السير في نفس الطريق مراراً وتكراراً لتلقى نفس النتائج. وليس ذلك من الحكمة إنما هو من الانغلاق الذي تفرضه عليها أفكار ونماذج معينة.
3. التربية أداة من أدوات الضبط التحكم
ومن الأخطاء التربوية التي تحيط بعملية النهضة أن تستخدم التربية- داخل بعض الأحزاب والحركات والمنظمات والاتجاهات - كأداة للتحكم لا للوصول للأهداف. فيصبح التحكم في ذاته غرضاً من أغراض التربية. ولا تصبح عملية دفع الناس لتحقيق الأهداف هي الغرض الأساسي منها. والضبط والتحكم في ذاتهما ليسا عيباً, ولكن إذا غلبا على قضية الوصول للأهداف وأصبحا غاية صارا خطراً محدقاً وكبيراً، وتحولا إلى أداة من أدوات التخلف.
ومن مظاهر سوء استخدام أدوات التربية حرص بعض التنظيمات على تربية أفرادها على مبدأ الطاعة العمياء. فالمطلوب من الفرد أن يطيع دون تردد ولا تلعثم ولا كثرة سؤال. وكلما كان الفرد أقل تساؤلاً كلما كان أفضل وأنجب. وقد يتساءل الفرد فيتم ضبطه بالتذكير بالطاعة. ومن أخطر ما يورث الجمود أن يطالب الأفراد بالطاعة العمياء وهم لا يرون طريقاً أمامهم، ولا يرون مراحل مرسومة من قِبل القادة، ولا يرون أهدافاً محددة. فالطاعة هنا تستخدم كأداة لتسكين الجموع. لكن الطاعة مطلوبة، وهي أداة فعالة في التنظيمات الجادة التي تطرح لأتباعها مشاريعها وتحدد وسائلها، وترسم خطواتها، ثم تطالب أتباعها بالطاعة. فأكرم بها من طاعة على بصيرة.
أما الطاعة بدون تردد فيما ليس بمعصية لله - فهي الشكل الأمثل في الجيوش وما شابهها. لذلك لا نجد نقاشاً أو حواراً في الجيوش النظامية بين القائد الأعلى رتبة وبين جنوده. فأوامره لابد أن تنفذ في الحال، وإذا لم تنفذ يُقدم الجندي إلى المحكمة والقضاء العسكري. حيث أن المعارك لا تحتمل إثارة الخلافات.
4. الوصفة الواحدة
ونقصد بها أن يظن المتصدي للعملية التربوية أن أتباعه لابد أن يمروا بنفس المراحل التي مر بها لكي تحسن تربيتهم، ويجب أن يتلقوا بنفس الشكل، يستوي في ذلك من كان من أتباعه من أهل العلم أم لا. كما أن تقييمه لارتفاع الحالة الإيمانية عند أتباعه يكون بالقياس على الأمور التي ترفع إيمانه هو. وهذا خطأ فادح، فرب إنسان يرفع إيمانه الجهاد، ورب آخر ترفع إيمانه الدعوة إلى الله، ورب ثالث يرفع إيمانه تدريب الجيل على الوسائل  الحديثة لنشر الدعوة.
5. شيخوخة التنظيمات
فبعض التنظيمات تعاني من الشيخوخة. ولا يشترط أن تكون الشيخوخة متمثلة في كبر سن قادتها، ولكنها تتمثل في أن التنظيم يعامل أتباعه كأطفال. فهم لا يدرون ولا يعلمون شيئاً عن مصلحتهم، وآباؤهم أدرى بما يصلحهم. كما تتمثل الشيخوخة في كون الأعمال التي يُفترض أن يكلف بها فتي عنده ستة عشر سنة، يقوم بها شاب جاوز الخمسة والعشرين عاماً، والأعمال التي يفترض أن يقوم بها شاب في الثلاثين، تجد رجلاً تجاوز الخمسين من عمره يقوم بها، وهكذا تسيطر الشيخوخة على بعض التنظيمات.
6. الفهم الخاطئ للقاعدة الصلبة
بعض الناس يتحدث عن مصطلح (القاعدة الصلبة)، حتى أصبح من المسلمات. وهو وإن كان مصطلحاً منتشراً إلا أن تحويله إلى هدف محدد - يمكن تكميمه بوضع كم له وتوصيفه وتحديد شروط المدخلات وشروط الانتساب لهذه القاعدة، وآليات جعلها صلبة وتحويلها لحقيقة - أمر محال ويصعب أن يتم في أي بقعة من العالم.
فلو نظرنا إلى الشروط التي حددها من كتبوا عن القاعدة الصلبة لوجدنا وصفاً يشمل كل أوصاف المؤمنين في القرآن الكريم، وربما يضيف عليها البعض شروطاً أخرى يرونها ضرورية. ولو نظرنا إلى الواقع العملي، هل تتحقق هذه الشروط في أحد؟! وهل يمكن أن تستمر في حالة وجودها؟! فالشروط التي يندرج تحتها مثل هذا المعنى تحققها شبه مستحيل، لأنها تتكلم عن الإنسان النموذج. وبالتالي نجد أمامنا معضلة من البداية قبل أن نبدأ بتحديد كم هذا القاعدة، وتحديد المدى الزمني لإدخال هؤلاء الأفراد بهذه المواصفات ضمن هذه الدائرة المسماة (بالقاعدة الصلبة). كما أن الأحزاب والجماعات تتفاوت في التوصيف الشرطي تشدداً أو تساهلاً، فيدخل عند البعض كل الناس، وعند آخرين قد لا تجد إلا فرداً أو فردين.
إن الحديث عن تكوين (القاعدة الصلبة) يحتاج إلى إعادة نظر، ليس لمحو هذا المصطلح من قاموس التربية، وإنما لتحديد المعنيين به.ومهما كان الاختلاف حول توصيف المصطلح فإنه لابد من ألا يكون حائلاً دون البذل والعمل بحجة التكوين، فالقاعدة الصلبة المكية – والتي يستشهد بها دائماً – هي التي تحملت وفدت وضحت، وبعضهم لم يتلق أي قسط من التربية الطويلة، فما إن أسلم حتى صُب عليه العذاب صباً.
إذا أردنا أن نتحدث عن تكوين (القاعدة الصلبة) فإنها تتكون في أتون العمل والبذل. وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي هم أبطالها.وإن كان أبو بكر وعثمان وعلي شهدوا المرحلة السرية - التي قد يرى البعض أن تكوين (القاعدة الصلبة) كان فيها- فإن عمر رضي الله عنه لم يشهد هذه المرحلة، وكان دائماً من الثابتين. فالإحجام لم يُرَبِّ يوماً من الأيام صحابياً، ولم نسمع عن صحابي انكفأ على نفسه ثم أخذ عضوية الانضمام للقاعدة الصلبة.
إن تكوين (القاعدة الصلبة) - في رأينا – ليس من أهداف التربية، فهي تتكون وحدها من أناس حملوا المشروع وانطلقوا به، ويتشرفون بالانضمام إليها كلما زاد سهمهم في البذل والعطاء، إنها ليست قاعدة القاعدين والمخلفين، إنها قاعدة الراكضين المخلصين.
ويستخدم أحياناً مصطلح (القاعدة الصلبة) لتبرير السكون، فجموع أبناء الصحوة هم الذين يغشاهم الخلل!! وهم سبب النكبات!! وهم ليسوا أهلاً لتنزل النصر!! وهكذا تُكال التهم لهذه الجموع، حتى يكونوا في النهاية هم سبب الوبال على الأمة، وذلك حتى ينشغل هؤلاء الأبناء بأنفسهم ولا يطالبون الآباء بأي شكل من أشكال الإقدام والتقدم.
مستلزمات القانون:
المعرفة:
بمنطوق القانون.
بمعنى التربية ووسائلها وعلاقتها بالعمل في مشروع النهضة.
الاستخدام:
بالبحث عن الدرة المفقودة، الفرد العامل المفكر الجريء المنتج الرباني ليكون من حاملي المشروع.
باعتماد تربية متوازنة تتمثل في حزمة العلوم الشرعية، وحزمة المهارات الحياتية، وحزمة أدوات العلوم الإنسانية.
اعتماد مبدأ التربية في غمار الأحداث.
الانطلاق لجماهير الأمة وعدم الانكفاء على الذات بحجة الجودة.
عدم المصادمة:
بالبعد عن تغليب جانب على حساب آخر في العملية التربوية.
بتقييم الوسائل المستخدمة في التربية واستبدال الوسائل التي ليس لها مردود فعلي بغيرها.
بعدم انتظار أن يتواجد فريق من البشر الذين تربوا حتى بلغوا درجة الملائكة قبل أن يحملوا المشروع.
معادلات القانون:
عامل + مفكر+ جريء + منتج + رباني = إنسان النهضة
أدوات شرعية + أدوات مهارية + أدوات العلوم الإنسانية = تربية متزنة

ليست هناك تعليقات: