03‏/03‏/2013

قوانين النهضة / جاسم سلطان / القانون الثالث

قوانين النهضة لجاسم سلطان  القانون الثالث


القانون الثالث

التغيير الذاتي
منطوق القانون
"لا تغيير إلا إذا حدث تغيير إيجابي في عالم السلوك"
مفردات القانون
التغيير: عملية التغيير هي انتقال وضع ما من حال إلى حال آخر.
تغيير إيجابي في عالم السلوك: ويُقصد به تحول إيجابي في ممارساتنا وواجباتنا اتجاه الخالق واتجاه الذات واتجاه الخلق.
أهمية القانون
إن سنة التغيير هي سنة مجتمع لا سنة أفراد. وهي سنة دنيوية لا أخروية. فلابد أن يغير المجتمع نفسه أولاً حتى يُحدث الله التغيير في أحواله الخارجية. ولا يحدث هذا التغيير إلا بإيجاد الكتلة الحرجة النوعية التي تفقه هذا القانون وتعرف كيف تتعامل معه.
ونقصد بالكتلة الحرجة هنا وجود كم من الأفراد يمكن بواسطة جهودهم الانتقال من حال إلى حال بعد استيعابهم في العملية التغييرية. فإن الكم البشري النوعي الذي يلزم لنجاح أي عملية من عمليات الانتقال من حال إلى حال يختلف من حالة إلى حالة ومن ظرف إلى آخر. ولكن في كل حالة من هذه الحالات لابد من وجود الكتلة الحرجة التي في غيابها لن يحدث التغيير المطلوب.
مجال التغيير الذاتي
إن تغيير الواقع الداخلي هو المحرك الرئيس في التغيير الخارجي. ويقول الله سبحانه وتعالى:{إن الله لا يغير من بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}. فالتغيير الخارجي في أحوال قوم ما أومجتمع ما أوأمة مالا يمكن أن يتم حتى يحدث هذا التغير الداخلي داخل هذه الأنفس.
مجال التغيير الداخلي:
وللتغير الداخلي مجالان: الأول مجال الفكر (العقل)، والثاني مجال المشاعر (القلب). وهناك ارتباط جذري بين هذين المجالين. فعندما يصح عالم الأفكار، وتصبحالفكرة المحفزة قوية وملحة، فإنها تشعل داخل النفس طاقاتها، وتحرك فيها تلك المشاعر من الحب والكره، وتتولد القوة الدافعة أو المكنة النفسية. وبالتالي تنطلق طاقات الإنسان في محاولته لتحقيق فكرته علىأرض الواقع.فالتغيير الداخلي في الأفكار والمشاعر أمر أساسي لنجاح حركة التغيير. فعندما تتغير الأفكار والمشاعر، يحدث سلوك جديد، ومن ثم نتوقع أن تكون النتائج أيضاً مختلفة
مثال: فعندما تغيرتأفكار الغرب في لحظة تاريخية ما عن أفكار الكتاب المقدس – في دينهم - بما فيه من أمور رأوا أنها تقيد العقل، وتحد من  طاقات الإنسان، وتطالبه بالانعزال عن الكون، وألا يستمتع بجسده أو بالكون من حوله بدعوى الرهبانية، انطلقت فكرة جديدة تدعو إلى:


تحرير العقل.
إطلاق الطاقات.
البحث في كل مجال.
التساؤل عن كل الكون.
اعتماد العقل كمرجعية في تنظيم المعارف.
تنظيم المعلومات.
 اعتماد الحجة والبرهان.
 عدم التسليم بمقولات الآخرين
ومع انتشار هذه الأفكار وغيرها،والحماس لها، ووجودالفكرة المحفزة في هذه اللحظة - وهي مقاومة الفكرة الرجعية السائدة، التي كانت تريد تقييد العقل - ولدت القوة الدافعة. فانطلق العلماء في تحد ضخم، وانطلقت المجتمعات في تحد كبير للأفكار القديمة البالية،وللتيار الذي يمثلها، لتنطلق وتفتح الآفاق، وتجدد الحياة من حولها هذا السلوك الجديد الذي نشأ عن تغير أفكار الناس ومشاعرهم، نتج عنه تغير سلوكي في عمليات البحث والتقنين والاختيارات وما إلى ذلك. وبالتالي بدأت النتائج الخارجية تتغير لهذه المجتمعات، وبدأت تثمر في ميادين الثقافة والفكر والعلوم التطبيقية والفتوحات والهيمنة والسيطرة على المجتمعات الأخرى.
فالله تبارك وتعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، أي حتى تتغير لديهم هذه المنظومات العقلية المقيدة، وتولد عندهم الفكرة المحفزة والروح التي تدفعهم لتحويل هذه الأفكار إلى واقع في حياتهم وذلك عبر التحولات والتغيرات السلوكية الإيجابية.
إذن لدينا قضية كبيرة في عالم الأفكار الداخلي، فالناس لديها عقائد وتطبيقات، ولديها مسلمات مختزنة في عقلها، وهذه إما أن تكون من النوع الحي المحرك الذي يفتح الآفاق، أو النوع المغلق الذي يغلق كل الآفاق.
المطلوب ثلاثة أنواع من التغيير:
تغير إيجابي في عالم الأفكار. وهو الجزء الذي يغذيه العلم والخبرة، بشتى أنواعها.
تغير إيجابي في عالم المشاعرمن السلبية والإحساس باليأس إلى التفاؤل والإنجاز، والشعور المتجدد بالحياة. قال تعالى مبشراً عباده المؤمنين بالنصر: {وكان حقاً علينا نصر المؤمنين} ودعانا رسول الله r لحسن الظن بالله فقال ناقلاً عن رب العزة في الحديث القدسي {أنا عند ظن عبدي بي}



تغير إيجابي في عالم السلوك والممارسة.
وهكذا فإن اختيار الفكرة المركزية، واستخدام الفكرة المحفزة، ثم اجتثاث الأفكار المعطلة والقاتلة التي تعيق حركة الإحياء الإسلامي، وتعيق تقدم المسلمين، كل ذلك من متطلبات العصر، ويجب أن تتحمله الأمة الإسلامية وهي تنطلق إلى مستقبلها الواعد إن شاء الله عز وجل. فإذا تمكنت الأمة بعد هذه المعالجات العقلية من أن تبعث عالم المشاعر والأحاسيس، وتزرع المكنة النفسية والقوة الدافعة في المجتمعات العربية والإسلامية، فستنطلق هذه المجتمعات نحو التغيير والنهوض عبر التغير الحادث في عالم السلوك والممارسة.
مراحل وأسس التغيير 
وتمر عملية التغيير – سواءً كانت في الأفراد أو المنظمات والهيئات أو الدول – بأربعة مراحل كبرى:
1. مرحلة الإنكار: وفيها يسود الاعتقاد بهدوء وسكون الأوضاع. وتواجه أي صيحة تبشر بالتغيير بالدهشة وعدم التصديق.
2. مرحلة المقاومة: وفيها تبدأ تباشير التغيير بالظهور، فتتعرض العملية التغييرية للمقاومة من قِبَل الجاهلين بها، والمستفيدين من ثبات الأوضاع. فتُوضع العراقيل، ويشتد الغضب على القائمين على العملية التغييرية، وتُكال لهم التهم والنعوت حتى ينفض الناس عنهم.

3. مرحلة الاكتشاف: حيث يشتد عود العملية التغييرية بعد عبورها للمرحلتين السابقتين، فيُقبل الناس على دراسة هذا الأمر الجديد والتعرف عليه. وتثار تساؤلات كثيرة، مثل ما الذي سيحدث لنا في حالة كذا؟ وكيف سنواجه تلك المعضلة؟ وكيف سنفعل كذا؟ وغيرها من التساؤلات حول الفكرة وطبيعتها.
4. مرحلة الالتزام: وفيها يتساءل الناس عن أدوارهم في هذه العملية التغييرية بعد أن تعرفوا عليها واكتشفوها واقتنعوا بجدواها وأهميتها.
وهنا يثار تساؤل هام حول أسس العملية التغييرية. سواءً كانت للأفراد أو الحركات أو الدول والمجتمعات.
إن لعملية التغيير ثلاثة أسس كبرى:
1. تعلم التعلم: فأول ما يجب غرسه في الأفراد أو المجتمعات التي تتعرض لعملية التغيير هو تعلم كيفية تحصيل المعرفة والعلم. وقديماً قال الفيلسوف الصيني كونفوشيوس: "لا تعطني سمكة كل يوم ولكن علمني كيف أصطاد السمك".
2. كسر الأماني والعادات: فعملية التغيير غالباً ما تكون مصحوبة بالآلام والجراح والصعوبات، ولا تتم بسهولة وسلاسة ويسر. لذا فكسر العادات التي تأسر المرء وتتحكم فيه وتمنعه من التضحية والبذل من أهم أسس التغيير.
3. تغيير السلوك: فعملية التغيير في جوهرها هي الانتقال من حال لآخر. تغيير كامل وشامل في الأفكار والعلاقات والسلوك؛ بل والأشياء. فتغيير السلوك بما يناسب الحالة الجديدة المطلوب تحقيقها أمر بالغ الأهمية.
مستلزمات  القانون:
1- المعرفة:
فمعرفة القانون هو أول ما يجب على قادة وطلاب النهضة. وتشمل معرفة القانون القدرة على الإجابة على الأسئلة التالية:
من المطلوب تغييرهم؟
وتغييرهم إلى ماذا؟
وهل المطلوب تغييرهم في جانب واحد أم في جميع الجوانب؟
ومن الذي سيقوم بالتغيير؟
وكيف؟
وإذا كان آخرون قد تغيروا فكيف حدث لهم ذلك التغيير؟
وما مقاييس أو معايير التغيير؟
وما المؤشرات الدالة على نجاح عملية التغيير أو فشلها؟
ما عناصر مقاومة التغيير؟
وما الجهات التي تقاوم التغيير؟
وما المدى الزمني للتغيير؟
وما أهمية أدوات الدولة في التغيير؟
وأخيراً أين نقرأ عن التغيير؟
وليس لهذه الأسئلة إجابة واحدة؛ بل إن الإجابة عليها تختلف باختلاف الزمان والمكان والظرف. لذا لا يستطيع طلاب النهضة وقادتها في بقعة ما أن يقولوا بمعرفتهم بهذا القانون قبل أن يجيبوا إجابات قاطعة على التساؤلات السابقة.
وهكذا نلمس أهمية هذا القانون، وأنه يكاد أن يكون خطة عمل كاملة لتغيير المجتمعات والنهوض بها.
2- الاستخدام:
فالقانون إن تمت المعرفة به وجب استخدامه في التغيير استخداماً محنكاً،  وذلك من خلال إيجاد الكتلة الحرجة النوعية التي تستطيع قيادة العملية التغييرية.
3- عدم المصادمة:
وتتم مصادمة القانون والحصول على نتائج عكسية إذا لم يتم الإجابة على التساؤلات الخاصة بالعملية التغييرية.
كما تتم مصادمة القانون إذا تم التعامل مع هذا القانون بشيء من السذاجة والعفوية.، كالانشغال بإصلاح جانب دون آخر.
معادلات القانون
وتوضح هذه المعادلة مدى الترابط والتلازم بين هذه القوانين الثلاثة الأولى من قوانين النهضة. ويمكن توضيح هذا التلازم والتفاعل من خلال التالي
1) الفكرة المركزية تخاطب العقل
2) تلامس القلب فتكون القوة الدافعة
3) تحولات سلوكية تؤدي إلى التغيير في الواقع الخارجي



الخلاصة
وهكذا يتبين لنا مما سبق، أن هذه القوانين الثلاثة السابقة تمثل منظومة ثلاثية واحدة. تخاطب العقل من خلال الفكرتين المركزية والمحفزة. وتخاطب القلب والروح من خلال المكنة النفسية أو القوة الدافعة. وأخيراً تقود إلى التغيير من خلال التحولات السلوكية الناجمة عن الاقتناع بالفكرة وملامستها للقلب.
وخلاصة القول أن قيام الأمم والحضارات ونهوضها يعتمد بالضرورة على وجود فكرة صلبة تقتنع بها الأمة. لتولد هذه الفكرة قوة دافعة هائلة تبعث الأمة من رقادها وسباتها، وتكون بمثابة البعث النفسي لها. وأخيراً تأتي التحولات السلوكية الناتجة عن ذلك البعث النفسي لتكون أولى خطوات الأمم نحو التغيير والنهوض.
أما سقوط الأمم فينتج عن فشل الفكرة في مخاطبة العقل، أو فشلها في ملامسة القلب. وبالتالي تفقد الأمة الفكرة الصلبة الجامعة، فتسقط وتهوي.

ليست هناك تعليقات: