03‏/03‏/2013

قوانين النهضة / جاسم سلطان / القانون الرابع

قوانين النهضة لجاسم سلطان  القانون الرابع
القانون الرابع

اختيار الشرائح
منطوق القانون
"تحتاج أي نهضة لشريحة بدء وشريحة تغيير وشريحة بناء"
مفردات القانون
الشريحة: ونقصد بها المجموعة من الناس التي تتقارب مستوياتهم الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والمهارية، بالإضافة إلى تقارب أهدافهم وإمكاناتهم. وسنستخدمه هنا بمعنى أوسع يقترب من فريق أو طائفة.
شريحة البدء: وهم الرعيل الأول من الناس الذين يجتمعون حول فكرة ما في مجتمع ما في مرحلة ما، ويستعدون للتضحية من أجلها. وليس بالضرورة أن ينتمي كل أعضاء شريحة البدء لطبقة أو شريحة اجتماعية معينة؛ بل قد يكون هناك خليط من أكثر من طبقة أو شريحة.
شريحة التغيير: هي الفئة القادرة على إعطاء المنعة، والتمكين أو ما يطلق عليها في التعبير الشرعي "ذوو الشوكة" الذين يستطيعون تغيير الأوضاع.
شريحة البناء: وتشمل كل فصائل المجتمع الذين يساهمون في بنائه وتقدمه بعد نجاح العملية التغييرية وهيمنة الفكرة المركزية. لذا فهي تضم المؤمنين بالفكرة وغير المؤمنين بها.
أهمية القانون
إن تحديد الشريحة الملائمة للمرحلة التي يمر بها المشروع في غاية الأهمية. إذ أن أكثر التجارب الفاشلة إنما فشلت للخلط بين هذه الشرائح. لذا فإنه يمكننا القول بأن من لا يفقه قانون اختيار الشرائح لا يمكن أن ينجح. وسيفقد اتجاهه ويدور حول نفسه.
اختيار شرائح التغيير
عادةً ما تبدأ عملية التغيير من نقاط أو قضايا ملحة. حيث تتكون رؤية جديدة من التشكل الاجتماعي، أو يبرز تيار يرغب في المغالبة، أو فئة محرومة، أو دين جديد، أو قضية جديدة، كنقطة تبدأ منها عملية الحراك.
وتحتاج كل حركة تغييرية إلى ثلاث شرائح مختلفة. حيث تعبر كل شريحة عن طبيعة المرحلة التي تمر بها الحركة التغييرية. وهذه الشرائح الثلاث هي: شريحة البدء وشريحة التغيير وشريحة البناء.
وهم الرعيل الأول أو المجموعة الأولى التي تطلق شرارة التغيير، وتنادي بأفكارها. إلا أنهم لا يملكون من الإمكانات والمهارات – كمجموعة وشريحة - ما يمكنهم من إحداث التغيير بأنفسهم. ولا يعني هذا أن أفراد هذه الشريحة لا يملكون مواهب أو إمكانات؛ إنما نقصد أن هذه الشريحة في مجموعها لم تصل إلى النقطة الحرجة من الإمكانات والمهارات التي تؤدي إلى حدوث التغيير.
ولننظر إلى شريحة البدء التي تجمعت حول رسول الله e في مكة. فقد تكونت من أناس آمنوا بالفكرة الجديدة إيماناً جازماً قويا.ً فتجمعوا حولها وحول قيادتها، وبدءوا في الدعوة إليها والتبشير بها في المجتمع المكي.
وقد ضمت هذه الشريحة النساء والرجال، والشيوخ والأطفال، والأحرار والعبيد، والأقوياء والضعفاء. إنهم خليط من الناس الذين اجتمعوا حول فكرة ما في مجتمع ما في مرحلة ما، فآمنوا بهذه الفكرة، وأخذوا يدعون إليها، وكانوا على أتم الاستعداد للتضحية والبذل في سبيلها.
وبالرغم من أن هذه الشريحة ضمت العديد من الكوادر النوعية التي تملك الكثير من المهارات والقدرات والإمكانات كأبي بكر الصديق وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف في المجال الاقتصادي، ومصعب بن عمير في مجال التمثيل الدبلوماسي – إن صح التعبير -  وعمر بن الخطاب وحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب في القوة والشدة والفروسية وغيرهم؛ إلا أن تلك الشريحة لم تكن تملك في مجموعها القوة الكفيلة بإحداث التغيير وقلب ميزان القوى لصالحها؛ بل إن إسلام حمزة وعمر – الذيْن أعز الله بهما الإسلام – لم تزد ثمراته عن إعلان المسلمين عن أنفسهم وشعائرهم.
دور الشريحة
ويكاد ينحصر دور شريحة البدء - في مجموعها - في التبشير والتعريف بالفكرة، والثبات عليها والصمود أمام الترغيب والترهيب الرامي إلى إثنائها عن التبشير والدعوة للفكرة.
وهنا يجب التنبيه إلى أن شريحة البدء لها عمر افتراضي محدد. وأن لتلك المرحلة التي تمثلها هذه الشريحة وقتاً ودوراً محدديْن. أما إذا طال أمدها ولم يتم الوصول إلى شريحة التغيير تفقد هذه الشريحة الاتجاه، وتصاب بحالة أشبه بالشلل الفكري والتنفيذي. حيث أنها تعتقد بقدرتها على إحداث التغيير. بينما يؤدي فشلها المتكرر – نتيجة لعدم توفر الكتلة الحرجة من القوى والإمكانات – إلى فقدان الثقة بالنفس، واليأس من إمكانية التغيير، فتعلو الصيحات المطالبة بالاكتفاء بإصلاح الأوضاع الفاسدةبدلاً من تغييرها، فتخبو نبرة القوة وتلين حدة الفكرة.
مواصفات الشريحة
ومن مواصفات هذه الشريحة الثبات والصبر والصمود والقوة، والقدرة على التبليغ والتعريف بالفكرة، وعلى الدخول بها في مساحات لم تكن قد طرقتها من قبل. كإسلام القبائل غير القرشية كقبيلتي غفار ودوْس كما تتصف هذه الشريحة - في مجموعها - بالاعتماد شبه الكامل على القائد
وهكذا نجد أن إيجاد هذه الشريحة يكاد يكون نقطة البداية الطبيعية لأي حركة أو عملية تغييرية نهضوية.
دور القائد في هذه المرحلة
أما دور القائد في هذه المرحلة فهو رسم الطريق لأتباعه وتأمينهم وحمايتهم بكل طريقة ممكنة، بالإضافة إلى البحث الدءوب عن الشريحة القادرة على إحداث التغيير.
شريحة التغيير:
عادةً تحتاج المشاريع الكبرى  كالمشاريع الحضارية، والنهضوية، والمشاريع الأيديولوجية – والتي تهدف إلى استنهاض المجتمعات وتنميتها - إلى القوة التنفيذية لإنجازها. بمعنى أنها تحتاج  إلى دولة تملك حق تطبيق هذه الأيديولوجيات أو المشاريع الحضارية على المجتمعات التي تهيمن عليها. وحتى يخطو المشروع هذه الخطوة فهو يحتاج إلى شريحة ثانية. ويمكن تعريف هذه الشريحة، بأنها الفئة القادرة على إعطاء المنعة والتمكين (توفير أداة التنفيذ)، أو ما يطلق عليها في التعبير الشرعي "ذوو الشوكة" الذين يستطيعون نقل دعم الفكرة بقوة الدولة وما تمتلكه من إمكانات.
ولا نعني بكلامنا هذا إلغاء دور شريحة البدء في عملية التغيير؛ ولكننا نقصد أن شريحة البدء لا تمتلك - في مجموعها - أدوات القوة اللازمة لإحداث التغيير. سواءً أكانت تلك القوة المطلوبة عسكرية أو اقتصادية أو سياسية أو غيرها. وهنا يأتي دور شريحة التغيير التي تمتلك - في مجموعها - هذه القوة المطلوبة، فتمضي الشريحتان معاً – الرعيل الأول وذوو الشوكة – لإحداث التغيير المطلوب.
شريحة البناء:
وعندما تتوفر للفكرة أدوات التنفيذ، وتقوم الدولة المنشودة؛ تأتي مهمة شريحة البناء.وهي شريحة تشمل كل فصائل المجتمع؛ المؤمن بالفكرة وغير المؤمن بها. فيساهم في عملية البناء مختلف الطاقات والفصائل والتيارات الموجودة في المجتمع كجزء من التحولات الاجتماعية والحراك الاجتماعي، مع تفاوت في مساهماتها في عملية البناء. وهنا يلزم عقد اجتماعي يعمل على استيعاب جميع شرائح المجتمع وفئاته بحيث تصبح أداة من أدوات التنمية وتجنيبها أن تصبح عصا لوقف عملية التنمية.
الشرائح الثلاث معاً:
الشريحة الأولى، وهي نقطة البدء سواءً كانت تجمع النوع الذي التف حول المصطفى r أو كانت حزباً أو تجمعاً أو حتى أفراداً فهي عبارة عن طليعة أوعقل مفكر. إنها كيان صغير. قد يكون هامشياً ومعزولاً، وقد يكون في قلب الأحداث، لكنها على كل حال نقطة بدء.
ثم تأتي الشريحة الثانية بعدها، وهي الفئة القادرة على إعطاء المنعة والتمكين، إذا ما وجدت المبرر لذلك. ثم تتحرك شريحة البناء  -والتي تضم كل طاقات المجتمع مجتمعة  - من أجل نصرة الفكرة. ولا يُفَعَّل دور هذه الشريحة (البناء) إلا بعد توفر الأداة التنفيذية (الدولة) وبناء العقد الاجتماعي العادل الذي ينصف كل الشرائح.
اختيار الشرائح
والمعضلة الحقيقية التي يعاني منها العاملون في مجال النهضة هي الخلط بين هذه الشرائح الثلاث أو الجهل بها. فكثير من التجمعات أو التيارات والمؤسسات لا تعدو كونها شريحة بدء، ولا تمتلك من الكوادر النوعية وأدوات القوة المناسبة ما يؤهلها لإحداث التغييرات المأمولة. فتدخل في صراعات نتائجها محسومة مسبقاً لصالح الخصم، بدلاً من الانشغال بالوصول إلى شريحة التغيير المؤهلة لإحداث النقلة المطلوبة.
وسنجد أن بعض التجمعات والتنظيمات هي أقرب ما تكون في كوادرها وعقلياتها وقدراتها إلى شريحة البناء المنوط بها إدارة المشروع عقب الوصول إلى الأداة التنفيذية، بينما يزج بهم قادتهم في عمليات تغيير محسومة لصالح الخصم. فيخسر المشروع كوادره الصالحين لعملية البناء بعد التغيير.
نفهم من ذلك أن الخلط أو الجهل بهذه الشرائح يؤدي إلى كوارث حقيقية في ميادين التغيير. كما يصيب أفراد هذه الشرائح بالإحباط واليأس والشعور بالعجز.
إذا تبين لنا خطورة الخلط بين الشرائح الثلاث أو الجهل بها، وقرر قادة النهضة وطلابها ضرورة اختيار الشريحة المناسبة لكل مرحلة، نجدأمامنا معضلة أخرى كبيرة. فشريحة البدء يسهل تكوينهابأي صورة من الصور. فاجتماعأناس حول فكرة ما واقتناعهم بأهميتها، ثم إنشاء منظمة أو تنظيم أو حزب أو جماعة لمحاولة تنفيذ هذه الفكرة على أرض الواقع أمر في غاية السهولة. ولا أَدَّلُ على ذلك من كثرة التنظيمات والجماعات والفصائل والتيارات في العالم الإسلامي؛ بل وفي العالم كله. فالتنظيمات والتجمعات أكثر من أن تحصى. إنما المعضلة الحقيقة التي تقف أمام المشاريع، هي الوصول إلى شريحة التغيير القادرة على نقل المشروع من مجرد تنظيم أو تيار أو جماعة تُحارَب وتُقاوَم إلى دولة تحمل المشروع وتذود عنه وتصبغ المجتمع به.
ويظن البعض نتيجة لقراءاتهم للتاريخ، أو تقليداًلمقولات الأقدمين، أن هناك طريقة واحدة للوصول إلى هذه الشريحة التي لديها المنعة. ولكن الدراسة التاريخية المركزة تشير إلى أن عملية الوصول إلى هذه النقطة، والانتقال بالمشروع من طور الاستضعاف إلى طور التمكين، له من الوسائل ومن الاختلافات ما بين فصول السنة وما بين الليل والنهار وما بين تعدد الألوان والظلال في الكون. فالساحة مفتوحة للتفكير والتصور والتخيل؛ لا تحدها حدود.
خيار الرسول
ولننظر في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم فلقد ظل رسول الله rيدعو أهله وأصدقاءه وعشيرته المقربين سراً مدة ثلاث سنوات. بعدها كان الجهر بالدعوة. فكانت دعوة كبراء مكة للإسلام، واتباع القيادة الجديدة. وظل رسول الله rيرجو أن يؤتي هذا الخيار ثماره بإسلام القيادة المكية – شريحة التغيير – التي تستطيع نقل الفكرة الإسلامية من جماعة مضطهدة مستضعفة إلى دولة – إن صح التعبير – تملك تطبيق البرنامج الإسلامي على كل المجتمع المكي وتصبغه بالصبغة الإسلامية.  ولكن هذا الخيار لم يؤتي ثماره. فالقيادة المكية ظلت على شركها، وظلت مقاومة ومعاندة.
وبدءاً من العام العاشر للبعثة، أي بعد سبعة سنوات من محاولة الوصول لشريحة التغيير المكية،وإحساس النبي rبعدم جدوى هذه المحاولة، انتقل الرسول r إلى محاولة الحصول على شريحة التغيير من خارج مكة، من خلال الاتصال بالقبائل المحيطة، فكانت البداية بخروجه للطائف – ثاني أكبر قبيلة بعد قريش. وفي هذا يقول المقريزي: "ثم عرض rنفسه على القبائل أيام الموسم، ودعاهم إلى الإسلام، وهم:
بنو عامر، وغسان، وبنو فزارة، وبنو مرة، وبنو حنيفة، وبنو سليم، وبنو عبس، وبنو نصر، وثعلبة بن عكابة، وكندة، وكلب، وبنو الحارث بن كعب، وبنو عذرة وقيس بن الخطيم، وأبو اليسر أنس بن أبي رافع".
فإذا أضفنا إلى هذه القبائل محاولة الطائف ومحاولته مع أهل يثرب سنجد أن مجموع المحاولات التي قام بها الرسول rللوصول إلى الشريحة التغييرية يصل إلى ستة عشر محاولة.
ثم لننتقل إلى نوع الخطاب الذي كان الرسول  rيوجهه إلى هذه القبائل. يقول المقريزي:
".. وجعل يقول: من رجل يحملني إلى قومه فيمنعني حتى أبلغ رسالة ربي فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي؟"
وسنلاحظ هنا وضوح دور الشريحة في قوله "فيمنعني". أي أنه يريد القوة والمنعة والشوكة ممن يستجيب له من القبائل.
وإذا انتقلنا إلى نوع التفاوض الذي تم، ونوع الشروط التي تم وضعها، سنجد أن الهدف الأساسي هو الوصول إلى قوة قادرة على وضع المشروع في  موقع التنفيذ من خلال كامل أجهزة الدولة وطاقاتها وملكاتها وقدراتها.
وحتى عندما حصل رسول الله rعلى الشريحة ذات الشوكة تدرج في مفاوضاته معها. فكانتالبيعة الصغرى أو بيعة النساء. وسنجد أن بنود هذه البيعة خاليةً من قضية المنعة، وامتلاك القوة.لأنه rلا يستطيع الجزم بعد بإمكانيات هذه الفئة القادمة التي قد  لا تمتلك مثل هذه القوة المطلوبة. وهكذا
 أرسل رسول الله rمبعوثه مصعب بن عمير إلى يثرب ليرفع واقع المجتمع اليثربي، وللوصول إلى الشريحة القيادية التغييرية هناك.
أما بيعة العقبة الثانية فكانت مع أهل المنعة. وكانت مع قيادات يثرب الذين يستطيعون أن يدعموا المصطفى r بالقوة التنفيذية.
إذن هذا السعي المتعدد، هو وليد دراسة البيئة.  فقد كان تكوين البيئة السياسي تكويناً تمتلك فيه القبائل جيوشها الخاصة. وكان يمكن الانتقال إلى قبيلة ذات منعة، لتكوين أول نواة تمتلك قوة حقيقية، كما تمتلك سلطتها التنفيذية.
بعض العاملين في الساحة النهضوية يقفونعند هذا النموذج. ولا يرون فيه المفهوم بل يرون فيه الإطلاق. بمعنى أنهم يتركون المفهوم وهو ضرورة الوصول إلى الشريحة ذات الشوكة والمنعة ويأخذون التجربة على إطلاقها بمعنى أهمية الهجرة وتكوين جيش كما فعل رسول الله r. والحقيقة الساطعة للعيان أن من يتبع الإطلاقويفتقد المفهوم يعاني من خلل في تصوره عن المفهوم الأساسي وهو أهمية الوصول إلى القوة التنفيذية، أياً كانت طبيعتها، والتي تختلف بالضرورة باختلاف الزمان والمكان والظروف.
الخيار الروسي
أما في تجربة الثورة البلشفية في روسيا فقد كانالثوار الروس  يفكرون في كيفية الوصولإلى هذه المنعة، والوصل إلى الفئة التي تستطيع أن تنقل السلطة التنفيذية إليهم؟! وهنا وقع اختيارهم على طبقة العمال. فالحزب الشيوعي حدد نقطة البدء، وحدد الشريحة التي ستنقل إليه المنعة والقوة، فاختار عمال المصانع.
والدولة الروسية كانت من الدول الصناعية – وكانت ساعتها متخلفة صناعياً عن بقية أوروبا - التي تعتمد في اقتصادها على المصانع والصناعات المختلفة. ومن المعروف أن الذين يحركون هذه المصانع هم العمال. وبذلك فإنهم يمثلون عصب الاقتصاد الروسي. وعندما تمكن الثوار الروس من الوصول إلى هذه الشريحة أصبحوا بالفعل يتحكمون في الاقتصاد.
ولما كان المال هو أحد أعصاب القوة الرئيسة للدولة كانت السيطرة عليه تجعل الثوار يمتلكون زمام المبادرة والقدرة على إحداث التغيير، وفرض إرادتهم وإملاء شروطهم على النظام القيصري الذي كانوا يعملون على إزالته.
الخيار الصيني
وحتى الصين في نهضتها الحديثة لم تهمل هذا القانون. فرغم اختيار ماوتسي تونج للشيوعية كوسيلة لتطوير الصين إلا أنه لم يستنسخ التجربة الروسية؛ بل اختار شريحة أخرى مغايرة للشريحة التي اختارتها الثورة الروسية. فبينما كانت شريحة العمال هي الشريحة المؤثرة في روسيا كانت شريحة الفلاحين هي الشريحة المؤثرة في الصين. لذا اعتمد ماوتسي تونج على الفلاحين لإسقاط النظام الإمبراطوري الإقطاعي.
التجربة العباسية
وإذا درسنا نموذج قيام الدولة العباسية، سنجد أن العباسيين قد راهنوا على التبشير في منطقة نائية هي منطقة خراسان. وبالرغم من أن القوة المتطلعة للتغيير هي قوة عربية إلا أن اختيار أهل خراسان كان بناءً على مواصفات ومعايير محددة. وضعها مؤسس الدعوة العباسية محمد بن علي بن عبد
الله بن عباس. حيث نجده يقول: {"إن الشام أموية ولا يعرفون إلا آل أبي سفيان، والبصرة عثمانية -نسبة إلى عثمان بن عفان- أي يدينون بالكف عن القتل والقتال، ويقولون كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل، والكوفة شيعة علي، وأما الجزيرة- بين دجلة والفرات- فخوارج مارقة، أعراب مسلمون في أخلاق النصارى، وأما مكة والمدينة فتعيشان على ذكرى أبي بكر وعمر، وأما خراسان ففيها العدد الكثير والجلد الظاهر، وصدور سليمة، وقلوب فارغة لم تتقسمها الأهواء". فأهل خراسان بتعبير اليوم هم " مادة خام".} هذا بالإضافة إلى بعدها عن مركز الدولة في دمشق.
هذا التعدد والتنوع والتلون في اختيار الشريحة المناسبة لعملية التغيير، وفي اختيار التموقع المناسب لشريحة البدء لا تحده حدود، وليس له نمط واحد أو طريقة واحدة. والفكر الإنساني والتجربة البشرية غنية ومليئة بالتجارب والأفكار والإبداعات والابتكارات. لذلك فإن الفئات التي تتكلس

حول تصور واحد حول ما يجب عمله، وتغلق عقلها ولا تترك لخيالها العنان ليبدع ويبتكر؛لا يمكن أن تحقق نهضة. فهذهالاختيارات الجامدة والتقليد الحرفي، يحول دون التفكير المهتدي بسنن الله سبحانه وتعالى في الكون.
الشرائح التغييرية
ويمكن تقسيم الشريحة التغييرية طبقاُ للاعتبارات التالية:
الأعمار: طلاب أو ما فوقهم.
الطبقة الاجتماعية: عليا أو وسطى أو دنيا.
المهن: العمال أو الفلاحين أو المثقفين أو التجار أو العسكريين.
المستوى التعليمي: أساسي أو جامعي.

واختيار الشريحة المناسبة عمرياً واجتماعياً ومهنياً وتعليمياً يعتمد على ثلاثة عوامل:
تصور التغيير.
وسيلة التغيير.
عمق التغيير(مدى التغيير المطلوب هل هو شامل أم جزئي؟).

أما بعد التمكين فالمجتمع يحتاج إلى كل طاقاته، سواءً المختلفة دينياً أو مذهبياً أو طائفياً أو عرقياً. فكل ما يمكن أن يكون جزءاً من المجتمع فالمجتمع في حاجة إليه.ويمكن استثماره في عملية البناء ما وجد الإنصاف والعدل. وكثيرٌ ممن يدعون إلى الإصلاح والتغيير تقوم أفكارهم وتصوراتهم على إقصاء الآخرين عقب التمكين.وهم بذلك واهمون ومخطئون. لأن عملية بناء الدولة تسبقها مرحلتين:
مرحلة البقاء.
ومرحلة الاستقرار.
وهاتين المرحلتين تمثلان مقدمتان ضروريتان للبناء.
فعادةً بعد أن تتمكن حركة أو تنظيم أو تجمع ما من إحداث التغيير والوصول إلى القوة التنفيذية فأول ما يواجهه هو تحدي البقاء أو الوجود. بمعنى أن يستطيع السيطرة على زمام الأمور ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية التي تحدث عادة مع التغييرات. فإذا تمكنت هذه القوة الناشئة من تخطي هذا التحدي وأصبح القضاء عليها أو إزالتها مستحيلاً تبدأ مرحلة البحث عن الاستقرار، لتبدأ بعدها مرحلة البناء. وفي هاتين المرحلتين الأوليين – البقاء والاستقرار – يحتاج المجتمع إلى طاقات كل أبنائه على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم وأيديولوجياتهم. فإذا ما قامت الحركة التغييرية بإقصاء البعض، وكيل الاتهامات للبعض الآخر، ورفضت الاعتماد إلا على أبنائها، فإنها لن تستطيع تخطي هاتين العقبتين (تهديد الوجود والاستقرار).
لذا فإن المجتمعات التي ستفتقدالعدللاحقاً من الأفضل لها ألا تقوم، لأن الذي سيحدث بعد قيامها أنها إما أن تفقد نصاب البقاء، وإما أن تفقد نصاب الاستقرار، وبالتالي لا يحدث النماء الذي وعدت بتحقيقه.
العدل
لابد أن تكون المنظومة الفكرية لفئات التغيير صحيحة. وخاصة حول قانون العدل الحقيقي، قبل أن تباشر عمليات التفكير في التغيير الاجتماعي. فمراجعة المنظومات الفكرية الموجودة عند حركات التغيير في المجتمعات العربية والإسلامية، مقدمة ضرورية للحصول على نتائج جيدة بعد أن تدفع التكاليف الغالية في عملية التغيير.
وكل الكتب السماوية تدعو أن يقوم الناس بالقسط.وإذا افتُقد العدل تحت أي مسمى أو شعار ديني أو مذهبي أو طائفي فلابد أن تنتكس الأمور بعد ذلك. هذه المسألة يجب أن تكون من أولويات التفكير النهضوي في المجتمعات الإسلامية.
تساؤل
ماذا إذا فقدت أي جماعة التصور الواضح عن شريحة التغيير، وانحصرت في عملية التجميع المستمر دون رؤية لطريق التغيير؟!
تخيل معنا أن شركة أو مؤسسة مالهاضوابط معينة،يتم فيها تجميع موظفين بصورة مستمرة، ثم لا يوجد عمل حقيقي لهؤلاء الموظفين، ولا يوجد تصور لتفعيلهم خلال برنامج زمني، بل يحاول رؤساء الشركة إلهاءهم بأي نوع من الأعمال. ماذا سيحدث بعد أن تنتقل هذه الطاقات إلى ساحة الفعل؟!
هذا الاحتقان المزمن داخل هذه الشركة، سينتج عنه احتكاكات وصراعات وتفجرات كثيرة. وستتحول الطاقة المبدعة من محاولة معالجة قضايا الواقع الخارجي إلى محاولة معالجة الواقع الداخلي وتشققاته وشروخه، وعندها تنتكس كل عمليات التبشير التي تمارسها مثل هذه الفئة.
وإذا كنا قد صدَّرنا كتابنا "النهضة.. من الصحوة إلى اليقظة" بباب العلم قبل القول والعمل فذلك لأهمية العلم.فكثير من أبناء وقادة الحركات التغييرية يفتقدون العلم الحقيقي بقضية التغيير، وأدوات تحقيقه ومراحله. فهم يعتقدون أن هذا التغيير يحدث بطريقة غيبية.لا يعلمون كيفيتهاولكنهميعتقدون في حتمية حدوثه!!
  العامل الزمني
إن العامل الزمني خطير جداً لأي شريحة بدء، ذلك أن وصول قادة هذه الشريحة إلى شريحة التغيير التي تصل بالمشروع إلى أداة التنفيذ (الدولة) يكون هو شغلها الشاغل، ونلحظ أن الرسول rوهو يبحث عن الشريحة، كان ما يشغله هو طلب المنعة والنصرة، وإلا فقدت شريحة البدء الاتجاه، فشريحة البدء ليست عرضة لأن تتعاقب عليها الأجيال، فتمر الأجيال تلو الأجيال، والشريحة ساكنة لا تبحث عن شريحة التغيير. إنه التحدي الكبير الذي يواجه قادة شريحة البدء، إذ العثور على شريحة التغيير هو ضمان استمرارية المشروع نحو أهدافه، أما شريحة البناء فهي التي تتعاقب عليها الأجيال  لترفع البناء طبقة تلو طبقة في عقود تتلو عقوداً.
مستلزمات  القانون:
المعرفة:
فمعرفة القانون هو أول ما يجب على قادة وطلاب النهضة. وتشمل المعرفة القدرة على الإجابة على التساؤلات المتعلقة بشرائح التغيير ومواصفات كل شريحة، والأعمال أو الأدوار المختلفة التي تستطيع الشرائح القيام بها، وطبيعة دور القائد مع كل شريحة.
2- الاستخدام:
فالقانون إن تمت المعرفة به وجب استخدامه في التغيير استخداماً محنكاً،  وذلك من خلال:
اختيار الشريحة المناسبة لكل مرحلة.
عدم تكليف الشريحة بأكثر مما تحتمل. فما تطالب به شريحة البدء غير ما تطالب به شريحة التغيير غير ما تطالب به شريحة البناء.
الاستفادة من التجارب البشرية المختلفة.
عدم المصادمة:
وتتم مصادمة القانون والحصول على نتائج عكسية في حالة اختيار شريحة واحدة لكل الأدوار، أو تكليف كل شريحة بما لا يناسبها. أو أن يطول أمد البحث عن شريحة التغيير
معادلات القانون
شريحة بدء = حملة الفكرة الأوائل
شريحة تغيير = ذوو الشوكة
شريحة بناء = أصحاب الطاقات من كل اتجاه
شريحة بدء + زمن طويل = فقد الاتجاه
مشروع تغييري – شريحة تغيير  = مشروع خيري تربوي

ليست هناك تعليقات: